الطعن رقم 1514 سنة 26 ق – جلسة 11 /02 /1957
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
السنة الثامنة – العدد الأول – صـ 140
جلسة 11 من فبراير سنة 1957
برياسة السيد/ حسن داود – المستشار، وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمد محمد حسنين، وفهيم يسى جندي – المستشارين.
القضية رقم 1514 سنة 26 القضائية
( أ ) استئناف. سلطة المحكمة الاستئنافية. المقصود من عرض الدعوى
على المحكمة الاستئنافية.
(ب) معاينة. دفاع. حكم "تسبيب كافٍ". متى يعتبر طلب المعاينة دفاعاً موضوعياً لا يستلزم
رداً صريحاً ؟
1 – المقصود من عرض الدعوى على المحكمة الاستئنافية هو تصحيح ما قد يقع في الحكم المستأنف
الصادر من محكمة أول درجة من خطأ – فمن حقها بل من واجبها وقد نقل الموضوع برمته إليها
أن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح وتفصل في موضوع الدعوى بناءً على ما تراه هي من واقع
أوراقها والأدلة القائمة فيها.
2 – متى كان طلب المتهم إعادة المعاينة لا يتجه إلى نفي الفعل المكون للجريمة ولا إثبات
استحالة حصول الواقعة كما رواها الشهود بل كان مقصوداً منها إثارة الشبهة في الدليل
الذي اطمأنت إليه المحكمة، فإن مثل هذا الطلب يعتبر دفاعاً. موضوعياً لا يستلزم رداً
صريحاً.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: تسبب بغير قصد ولا تعمد في قتل محمد سيد أحمد وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم احتياطه بأن أطلق صفارته إيذاناً لقائد الترام بالمسير دون أن يتحقق من ركوب ونزول الركاب فسقط المجني عليه تحت القضبان وأصيب بالإصابات الموصوفة بالمحضر والتي أودت بحياته. وطلبت عقابه بالمادة 238 من قانون العقوبات. ومحكمة الجيزة الجزئية قضت فيها حضورياً عملاً بمادة الاتهام بحبس المتهم سنة مع الشغل وكفالة خمسمائة قرش لوقف التنفيذ بلا مصروفات جنائية. فاستأنف المتهم هذا الحكم، ومحكمة الجيزة الابتدائية قضت فيه حضورياً بتأييد الحكم المستأنف بلا مصاريف جنائية. فطعن الوكيل عن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… وحيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه – إذ دانه في جريمة
القتل الخطأ – شابه الفساد في التدليل وانطوى على خطأ في الإسناد وإخلال بحق الدفاع
– وفي بيان ذلك – يقول الطاعن – إن الحكم اعتمد فيما اعتمد عليه في إدانته على أقوال
شهود الإثبات وإلى المعاينة قولاً منه إن المعاينة جاءت مصدقة لقولهم دون أقوال شهود
النفي مع أن العكس هو الصحيح – إذ ثبت من المعاينة أن بقعة الدماء المتخلفة عن الحادث
وجدت بعيداً عن محطة الترام بنحو ثلاثة أمتار ونصف فإذا لوحظ أن طول القاطرة لا يقل
بحال عن ثمانية أمتار وأن القطار – كما تقضي بذلك التعليمات يقف داخل المحطة – أمكن
القول إن الترام سار نحو 11.5 متراً حتى وقع الحادث – فالقول من جانب الحكم الابتدائي
المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه – إن الحادث وقع على ثلاثة أمتار ونصف من مبدأ مسير
الترام هو قول غير صحيح ولا يتفق مع الواقع – إلا إذا قيل إن قاطرة الترام كانت تقف
خارج المحطة وهو ما لم يقل به أحد من الشهود. وقد حاول حكم محكمة ثاني درجة أن يتلمس
المخرج عن طريق التوفيق بين ما جاء بأقوال شهود الإثبات وما أثبتته المعاينة فصور الواقعة
تصويراً لم يقل به أحد من الشهود هذا إلى أن الطاعن طلب – في مذكرته الختامية التي
صرح له بتقديمها أمام محكمة ثاني درجة إعادة إجراء المعاينة حتى تتفهم المحكمة كيفية
وقوع الحادث ولا تتورط فيما تورطت فيه محكمة أول درجة من خطأ في الاستنتاج، ولكن المحكمة
أطرحت هذا الطلب على أهميته ولم ترد عليه مما أخل بحقه في الدفاع.
وحيث إن الحكم الابتدائي بعد أن استعرض أقوال الشهود بين واقعة الدعوى في قوله "إن
أقوال حافظ محمد أحمد وربيع مكي بكر وأبو سريع منسي قد أجمعت على الرواية الآتية: أولاً
– أن المجني عليه وضع إحدى رجليه على السلم الخلفي للقاطرة أثناء وقوف الترام وقبل
تحركه. وثانياً – أن كمساري القاطرة (الطاعن) أطلق صفارة التنبيه قبل أن يضع المجني
عليه رجله الثانية على سلم الترام. ثالثاً – أن الترام تحرك قبل أن يضع المجني عليه
رجله الثانية فوق سلم الترام وترتب على ذلك سقوط المجني عليه ووفاته. وهذه الأقوال
تتضمن إهمال المتهم الذي لم يحتط ولم يتنبه إلى ركوب الراكبين ونزول النازلين منهم
من الترام قبل أن يطلق صفارته وقد ترتب على هذا الإهمال وقوع المجني عليه من الترام
ووفاته وعلاقة السببية قائمة بين الخطأ والنتيجة وتطمئن المحكمة إلى أقوال هؤلاء الشهود
لأنهم: أولاً – هم شهود الحادث وقد تقدموا للمحقق وقت إجراء المعاينة فور الحادث وشهدوا
بالوقائع السابقة. ثانياً – لأن شهادتهم اتفقت جملةً وتفصيلاً. ثالثاً – لأن أقوالهم
تتفق مع ما جاء بالمعاينة والرسم الكروكي مع وجود بقعة دموية كبيرة على بعد 3.5 متراً
من المحطة الواقعة بمديرية الجيزة والتي ركب منها المجني عليه الأمر الذي يدل على أن
المجني عليه وضع إحدى رجليه فوق السلم وقت وقوف الترام ولما تحرك الترام مسافة 3.5
متراً لم يتمكن خلالها من ضبط توازنه ويضع رجله الأخرى فسقط في مكان وجود بقعة الدماء
الكبيرة" – وقد أيدت المحكمة الاستئنافية هذا الحكم وأضافت إليه رداً على ما أثاره
الطاعن في طعنه "إنه وإن كان الدفاع عن المتهم أمام هذه المحكمة نفى التهمة عنه استناداً
إلى ما جاء بالمعاينة من العثور على بقعة من الدماء بعد محطة الترام بمسافة ثلاثة أمتار
ونصف مؤسساً على ذلك أن المجني عليه ركب الترام بعد أن تحرك فعلاً وإلا لكانت بقعة
الدماء قد عثر عليها في مكان وقوف الترام بالمحطة. إلا أن الذي يبين من شهادة شهود
الحادث أن المجني عليه حاول ركوب الترام قبل أن يتحرك وغادر المحطة فعلاً قبل أن يتمكن
من الركوب وظل يحاول الصعود إلى القاطرة وهي تسير وكان يعمل ما وسعه الجهد بذلك من
ضبط توازنه بوضع رجله الأخرى بالترام فلم يتمكن من ذلك فوقع بعد أن اجتاز الترام المحطة
بقليل وكان ما أثاره الدفاع بذلك غير جدي ولا تعول عليه المحكمة". لما كان ذلك، وكان
المقصود من عرض الدعوى على المحكمة الاستئنافية هو تصحيح ما قد يقع في الحكم المستأنف
الصادر من محكمة أول درجة من خطأ – فمن حقها بل من واجبها وقد نقل الموضوع إليها برمته
أن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح وتفصل في موضوع الدعوى بناءً على ما تراه هي من واقع
أوراقها والأدلة القائمة فيها وكان لا يلزم لاستخلاص صورة واقعة الدعوى التي ترتسم
في وجدان المحكمة أن يقوم عليها الدليل صريحاً دالاً بنفسه وبطريق مباشر عليها بل يجوز
استخلاصه منه بطريق غير مباشر ما دام ما انتهت إليه المحكمة لا يتعارض مع حكم العقل
والمنطق – ومتى كان الأمر كذلك فلا يصح أن ينعى على الحكم الخطأ في الإسناد – لما كان
ذلك، وكان الأمر المراد إثباته من المعاينة لا يتجه إلى نفي الفعل المكون للجريمة –
إذ لم يقصد الطاعن من ورائها تكذيب المعاينة التي أجريت في الدعوى من وجود بقعة الدماء
وسقوط المجني عليه هنالك تحت عجلات الترام حيث قتل. ولا إثبات استحالة حصول الواقعة
كما رواها الشهود بل كان مقصوداً منها إثارة الشبهة في الدليل الذي اطمأنت إليه المحكمة
مثل هذا الطلب في صدد الدعوى هو دفاع موضوعي لا يستلزم رداً صريحاً – لما كان ذلك،
فإن ما يثيره الطاعن على الصورة الواردة في الطعن لا يخرج عن كونه جدلاً موضوعياً وعوداً
إلى مناقشة واقعة الدعوى وأدلة الثبوت فيها مما لا يصح إثارته أمام محكمة النقض.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
