الطعن رقم 108 لسنة 12 ق – جلسة 11 /11 /1967
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة عشرة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1967 إلى منتصف فبراير سنة 1968)
– صـ 45
جلسة 11 من نوفمبر سنة 1967
برئاسة السيد الأستاذ الدكتور أحمد موسى – وكيل مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة عادل عزيز زخاري ومحمد طاهر عبد الحميد ويوسف إبراهيم الشناوي وعباس فهمي محمد بدر – المستشارين.
القضية رقم 108 لسنة 12 القضائية
إثبات "عبء الإثبات".
قاعدة أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي. لا تستقيم على إطلاقها في مجال المنازعات
الإدارية – الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المنتجة في الموضوع إثباتاً
أو نفياً – أثر تخلف الإدارة عن ذلك.
أنه وإن يكن الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي إلا أن الأخذ بهذا الأصل على
إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال بالنظر إلى احتفاظ الإدارة
في غالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في المنازعات مما يتعذر معه على
الأفراد تحديد مضمونها تحديداً دقيقاً، لذا فإن من المبادئ المستقرة في المجال الإداري
أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمنتجة
في إثباته إيجاباً أو نفياً متى طلب منها ذلك سواء من هيئة مفوضي الدولة أو من المحاكم
وقد رددت قوانين مجلس الدولة المتعاقبة هذا المبدأ (المادتان 30، 33 من القانون الراهن
رقم 55 لسنة 1959) ومتى كان ذلك وكان ثابتاً أن الحكومة نكلت عن تقديم الأوراق المتعلقة
بموضوع النزاع أو تسببت في فقدها فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي تلقي عبء الإثبات
على عاتق الحكومة.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع تخلص – على ما يبين من أوراق الطعن في أن المطعون ضده أقام الدعوى
رقم 932 لسنة 16 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد السيد وزير الإسكان والمرافق
والسيد رئيس مجلس مدينة دكرنس طالباً في ختام صحيفتها إلزام المدعى عليهما بأن يدفعا
له مبلغ 137 جنيهاً والفوائد بواقع 4% من تاريخ 14 مايو سنة 1956 والمصاريف والأتعاب
وقال في شرح دعواه – أنه رست عليه مناقصة ترميم وإصلاح سلخانة دكرنس بما في ذلك إصلاح
الطولمبة وتوريد وتركيب الحنفيات وتركيب المواسير التي يستحضرها المجلس لجعل مأخذ المياه
من الجنابية وذلك مقابل مبلغ 365 جنيهاً و488 مليماً فقام بتنفيذ الأعمال طبقاً لشروط
العقد إلا أن المجلس البلدي لم يدفع إليه كل مستحقاته فحجز لديه مبلغ 137 جنيهاً ويشمل
هذا المبلغ التأمين وقدره 37 جنيهاً بحجة أنه لم يقم بتوريد المواسير اللازمة لجلب
المياه من الجنابية الشرقية ووصل الأمر إلى حد اتهامه بتزوير شروط المناقصة بأن أضاف
إلى البند التاسع من شروط المقايسة عبارة "تركيب المواسير فقط" إلا أن محكمة جنح دكرنس
قضت ببراءته وسجلت في حكمها – على حد قوله – أنه غير مسئول عن توريد المواسير على حسابه
وأن الملتزم بها هو المجلس وأن عليه تركيبها فقط وأن عبارة "تركيب المواسير فقط" التي
وردت في أوراق المناقصة إنما كتبت عند عمل تلك المناقصة. وقد دفعت جهة الإدارة الدعوى
بعدم قبولها بالنسبة إلى وزارة الإسكان والمرافق لرفعها على غير ذي صفة وطلبت الحكم
برفضها بالنسبة إلى المجلس لخلو الدعوى من دليل يؤيد ادعاءاته إذ أن ملف العملية كان
مودعاً بملف قضية الجنحة رقم 1299 لسنة 1954 دكرنس المتعلقة بالتزوير ودشت ملف الجنحة
بما فيه من أوراق لمضي المدة وأن ذلك يشكل استحالة مادية تحول دون تقديم أوراق العملية
لا يد للمجلس فيها وقدمت صورة من العقد المبرم مع المدعي وصورة رسمية من المقايسة قائلة
بأنها خالية من عبارة "تركيب المواسير فقط" التي زعم المدعي أنها وردت بها. وأضافت
الجهة الإدارية بأن ملف الدعوى خلا من صورة رسمية لحكم البراءة حتى يمكن الوقوف على
الأساس الذي بني عليه وأنه على فرض أن الحكم المذكور قد تضمنت أسبابه أن المدعي غير
مسئول عن توريد المواسير على حسابه وأنه ملزم بتركيبها فقط فإن هذه العبارة ليست لها
أية حجية في الدعوى الإدارية لكونها من قبل التزيد. وعقب المدعي على هذا الدفاع بقوله
أن الحكم الجنائي فيما قضى به من كون المتهم غير ملزم بتوريد المواسير يحوز حجية كاملة
لأن فصل الحكم في هذه الواقعة كان ضرورياً ولم يكن تزيداً.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أنه لا مقنع فيما ساقته الحكومة في سبيل
تبرير نكولها عن تقديم ملف العملية إذ اعتبرت أن دشت قضية الجنحة التي كان الملف مودعاً
بها من قبيل الأسباب الخارجة عن إرادتها والمبررة لعدم مسئوليتها عن فقد الأوراق ذلك
أنه لا يمكن أن يضار المدعي من إهمال وقعت فيه جهة الإدارة بتراخيها في سحب مستنداتها
خاصة وأنها تتضمن أوراقاً مشتركة بينها وبين المدعي ولا حيلة له في حفظها أو سحبها
بل إن صاحب الحق في ذلك هو جهة الإدارة التي تقاعست عن تقديمها مستمسكة بعذر لا تقبله
المحكمة هذا بالإضافة إلى أن جهة الإدارة ملزمة بتقديم تلك الأوراق إعمالاً لحكم المادة
253 من قانون المرافعات التي تجيز للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أي ورقة منتجة في
الدعوى إذا كانت مشتركة بينهما، وأنه مما يؤيد ادعاء المدعي أن تبرئته عن الواقعة التي
أسند إليه تزويرها بحكم جنائي حائز قوة الشيء المقضي يعني صحة العبارة التي عزى إليه
إضافتها وهي عبارة "تركيب المواسير فقط" بما يستتبع ذلك من عدم مسئوليته عن توريد المواسير
اللازمة للعملية محل التعاقد وبذلك ينهار دفاع جهة الإدارة فلا يحق لها أن تحتجز لديها
باقي مستحقاته لديها.
ومن حيث إن الطاعنة تنعي على الحكم مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله ذلك أن
الإدارة قامت من جانبها بما عليها من عبء في الإثبات بعد أن تعذر عليها لسبب خارج عن
إرادتها تقديم أصول الأوراق، وأن هذا السبب يعد من قبيل القوة القاهرة التي تعفى من
تنفيذ الالتزام وأنه لا وجه للقول بأن الجهة الإدارية خالفت حكم المادة 253 من قانون
المرافعات بعد أن قدمت نسخة من العقد المبرم بين الطرفين ولم يقدم المطعون ضده صورة
من أوراق العملية تخالف ما قدمته الجهة الإدارية أما الادعاء بعدم مسئولية المطعون
ضده عن توريد المواسير فإنه ادعاء بواقعة غير إدارية ولا دليل عليها من الأوراق التي
لدى الجهة الإدارية فكان من المتعين على المطعون ضده إثبات ذلك طبقاً للقواعد العامة
أي بقيامه بتقديم صورة رسمية من الحكم الجنائي هذا إلى أن الحكم الجنائي في موضوع الدعوى
الجنائية الصادر بالبراءة لا تكون له قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم إذا كانت
البراءة مبنية على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون كما لا تكون له هذه القوة إلا فيما
يكون لازماً وضرورياً للفصل في التهمة المعروضة عليها وإذ كان الثابت أن الحكم المطعون
فيه قد اعتد بحجية الحكم الجنائي دون أن يتعرف أسباب البراءة وعلى الرغم من أن قضاء
المحكمة الجنائية قد فصل في أمر بلا ضرورة فإن الحكم المطعون فيه على هذا النحو يكون
مخالفاً للقانون.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أصاب وجه الحق فيما انتهى إليه للأسباب التي استند
عليها.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على هذا الحكم بدعوى مخالفته للقانون إذ أطرح دفاع الحكومة
القائم على أن فقد ملف العملية نتيجة دشت أوراق الجنحة التي كان مرفقاً بها يعد من
قبيل الأسباب الخارجة عن إرادتها والمبررة لعدم مساءلتها عن فقد الأوراق وأن عبء الإثبات
في هذه الحالة يقع على عاتق المدعي – لا وجه لهذا النعي لأن الثابت أن جهة الإدارة
هي التي تراخت في استرداد ملف العملية في أعقاب الفصل في قضية الجنحة التي جرى دشتها
بعد مضي المدة المقررة ومن ثم فإنه لا يسوغ أن يضار المدعي من إهمال جهة الإدارة.
ومن حيث إنه وإن يكن الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي إلا أن الأخذ بهذا الأصل
على إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال بالنظر إلى احتفاظ
الإدارة في غالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في المنازعات مما يتعذر
معه على الأفراد تحديد مضمونها تحديداً دقيقاً، لذا فإن من المبادئ المستقرة في المجال
الإداري أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمنتجة
في إثباته إيجاباً أو نفياً متى طلب منها ذلك سواء من هيئة مفوضي الدولة أو من المحاكم
وقد رددت قوانين مجلس الدولة المتعاقبة هذا المبدأ (المادتان 30 و33 من القانون الراهن
رقم 55 لسنة 1959). ومتى كان ذلك وكان ثابتاً أن الحكومة نكلت من تقديم الأوراق المتعلقة
بموضوع النزاع أو تسببت في فقدها فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي تلقي عبء الإثبات
على عاتق الحكومة.
ومن حيث إنه بفرض أن البند التاسع من شروط المقايسة لم يتضمن العبارة التي عزى إلى
المدعي إضافتها وهي عبارة "تركيب المواسير فقط" إلا أنه يبين من الرجوع إلى هذا البند
في الصورة المقدمة لشروط المقايسة أنه لم يتضمن نصاً صريحاً قاطعاً في إلزام المدعي
بتوريد المواسير إذ اقتصر النص على "إصلاح الطولمبة الماصة الكابسة مع توريد وتركيب
حنفيات من نوع معتمد عدد 4 قطر 2/ 1 مع جعل مأخذ المياه من الجنابية الواقعة شرقي السلخانة
لأن مياه الطولمبة ملحة على أن تخرج المياه بغزارة" فعلى حين تضمن هذا البند النص على
إلزام المدعي بتوريد وتركيب الحنفيات فإنه لم ينص على إلزامه بتوريد المواسير وهو ما
يثير في القليل شكاً ينبغي تفسيره لصالح الملتزم. أما جعل مأخذ المياه من الجنابية
فلا يقطع في التزامه بتوريد المواسير اللازمة لهذا الغرض على حسابه.
ومن حيث إنه فضلاً عن ذلك فإنه يبين من الإطلاع على الشهادة الرسمية التي استخرجها
المدعي من جدول القضايا بنيابة دكرنس أنها تضمنت "أن المدعي اتهم بارتكاب تزوير في
ورقة أميرية بأن أضاف كلمة (تركيب المواسير فقط) على البند التاسع من المقايسة الابتدائية
عن الأعمال اللازمة لإصلاح وترميم سلخانة دكرنس بعد أن رسا عطاؤها عليه وذلك هرباً
من تنفيذ ما تضمنته المقايسة من بعض الأعمال وأنه قضى ببراءة المتهم في 18/ 6/ 1953".
ومن حيث إنه وإن تكن أسباب البراءة غير ماثلة بسبب دشت أوراق الجنحة إلا أن الواضح
أن الأسباب تقوم على أحد فرضين انتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة وفي الحالين يكون
للحكم الجنائي قوة الشيء المحكوم فيه أمام القضاء الإداري فيتقيد القضاء الإداري بما
أثبته الحكم الجنائي بشأن انتفاء التهمة أو عدم كفاية الأدلة لأن فصله فيه كان لازماً،
ولا يعود ثمة مجال للإدارة للادعاء بأن المدعي أضاف العبارة المشار إليها للتحلل من
التزامه الأمر الذي يجعل دفاع المدعي القائم على صحة إيراد هذه العبارة دفاعاً راجحاً،
ويكون الطعن غير قائم على أساس سليم حقيقاً بالرفض.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت الطاعن بالمصروفات.
