الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 625 لسنة 11 ق – جلسة 21 /10 /1967 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة عشرة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1967 إلى منتصف فبراير سنة 1968) – صـ 6


جلسة 21 من أكتوبر سنة 1967

برئاسة السيد الأستاذ الدكتور أحمد موسى – وكيل مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة عادل عزيز زخاري وعبد الستار عبد الباقي آدم ومحمد طاهر عبد الحميد وعباس فهمي محمد بدر -المستشارين.

القضية رقم 625 لسنة 11 القضائية

قرار إداري. "ركن السبب" رقابة القضاء الإداري على القرارات الإدارية. لا يسوغ أن يقوم القضاء الإداري مقام الإدارة في إحلال سبب آخر محل السبب الذي قام عليه القرار.
إن دور القضاء الإداري يقتصر على مراقبة صحة السبب الذي تذرعت به جهة الإدارة في إصدار قرارها.. ولا يسوغ له أن يتعداه إلى ما وراء ذلك بافتراض أسباب أخرى يحمل عليها القرار.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من أوراق الطعن – في أن المدعي السيد/ الدكتور فؤاد رزق الله جاب الله قد أقام الدعوى رقم 1079 لسنة 16 القضائية ضد السيد/ وزير الصحة والسيد/ مدير منطقة المنيا الطبية بصحيفة أودعها سكرتارية محكمة القضاء الإداري "هيئة الجزاءات والفصل بغير الطريق التأديبي" في 16 من يوليو سنة 1962 طالباً الحكم بإلغاء القرار الوزاري رقم 886 الصادر من السيد/ وزير الصحة في 17 من ديسمبر سنة 1961 بتعديل انتهاء خدمة المدعي وجعله اعتباراً من 10 من أغسطس سنة 1959 لانقطاعه عن العمل بدون إذن أكثر من خمسة عشر يوماً متتالية واعتباره عديم الأثر قانوناً مع حفظ حقه في طلباته المبينة في الدعوى رقم 296 لسنة 16 القضائية.. وقال – شرحاً لدعواه – أنه في مايو سنة 1947 التحق بوزارة الصحة… وفي سنة 1955 وأثناء تأديته أعمال وظيفته أصيب بمرض البول السكري ثم حدثت له مضاعفات.. ولما اشتد المرض عليه حول إلى القومسيون الطبي العام لتوقيع الكشف الطبي عليه وبيان مدى لياقته الصحية لأداء العمل المسند إليه وتقدير ما يراه لازماً في هذا الصدد. وفعلاً توقع عليه الكشف الطبي. وانتظر إخطاره بالنتيجة.. وبالرغم من تقدمه بعدة شكاوى ولكنه لم يتلق رداً إلا في 6 من يوليه سنة 1961 حيث وصله خطاب مؤرخ في 28 من يونيه سنة 1961 من منطقة المنيا الطبية تذكر فيه أنه وقع على قرار القومسيون في 6 من أغسطس سنة 1960 وأنها تعتبر مثل هذا التوقيع علماً منه بنتيجة هذا القرار.. ومضى المدعي يقول أن هذا الذي تذكره المنطقة مخالف للواقع والحقيقة ومحاولة منها لستر إهمالها في فحص حالته وإخطاره بنتيجة قرار القومسيون.. ذلك لأنه وقع على إتمام إجراء فحصه الطبي وقت توقيع الكشف عليه. أما قرار القومسيون فهو يصدر بداهة بعد توقيع هذا الكشف.. ولم يعلم هو بهذا القرار وكان على المنطقة أن تخطره به.. وأن هذا الوضع قد حدا به أن يتظلم للسيد مفوض الدولة في 27 من أغسطس سنة 1961.. ولما لم يتلق رداً أقام الدعوى رقم 269 لسنة 16 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري طالباً الحكم بإلزام الوزارة بأن تدفع له المرتبات المستحقة له منذ تاريخ الامتناع عن صرفها في أغسطس سنة 1959 مع حفظ حقه في الطعن على أي قرار لم يعلن ولم يخطر به.. وقد رأت الوزارة – ستراً لموقفها ودرءاً لمسئوليتها، أن تصدر القرار رقم 886 في 17 من ديسمبر سنة 1961 باعتبار مدة خدمته منتهية اعتباراً من 10 من أغسطس سنة 1959 بحجة انقطاعه عن العمل أكثر من خمسة عشر يوماً متتالية – وهو القرار المطعون فيه – وقد علم به في 11 من فبراير سنة 1962 فتظلم منه في 4 من أبريل سنة 1962 ولم يتلق رداً.. ونعى المدعي على هذا القرار أنه صدر لسبب لا أساس له لأنه لم يتغيب إطلاقاً وإنما كان دائم الشكوى من الامتناع عن إخطاره بنتيجة توقيع الكشف الطبي عليه بمعرفة القومسيون الطبي كما أنه لم يصدر أي قرار بعودته إلى العمل أو تسوية حالته بعد توقيع هذا الكشف ولم يخطر بشيء من ذلك الأمر الذي لا يسوغ معه القول بتغيبه عن العمل.
ردت الوزارة على الدعوى بأن المدعي أصيب بمرض البول السكري في عام 1955 وتضاعف مرضه في سنة 1956 وفي النصف الثاني من سنة 1957 أصبح عاجزاً تماماً عن مزاولة العمل فمنح أجازة مرضية لمدة عشرة أيام من 8 يونيه سنة 1957 ولم يكد يعود لعمله بعد انتهاء هذه الأجازة حتى عاوده العجز والإعياء فمنح أجازة لمدة شهر من 10 من أغسطس سنة 1957 ولم يعد لعمله بعد انتهائها بل امتدت الأجازة وتكرر الامتداد فترة بعد أخرى حتى استنفد أجازاته بمرتب كامل في 18 من مايو سنة 1958 فطلب امتداد الأجازة لمدة ثلاثة شهور بنصف مرتب ثم لمدة ثلاثة شهور أخرى بربع مرتب ثم لمدة عشرة أيام بدون مرتب ثم لمدة ستة شهور بدون مرتب كذلك انتهت في 27 من مايو سنة 1959 وبعد هذا التاريخ لم يطلب المدعي مد الأجازة كما لم يعد إلى عمله فأصدر السيد الوزير القرار رقم 632 في 17 من أكتوبر سنة 1960 باعتباره مستقيلاً لانقطاعه عن العمل أكثر من خمسة عشر يوماً متصلة اعتباراً من 28 من مايو سنة 1959.. ولما تظلم المدعي بأنه لم يخطر بنتيجة الكشف أجرى التفتيش العام بالوزارة تحقيقاً تبين منه أن المدعي انقطع عن العمل بعد انتهاء آخر أجازة صرح له بها اعتباراً من 28 من مايو سنة 1959 واستمر انقطاعه حتى 10 من يونيه سنة 1959 حيث توقع عليه الكشف بمعرفة قومسيون طبي سوهاج فقرر أنه لا يرجئ شفاؤه.
وفي 26 من يوليه سنة 1959 قرر هذا القومسيون رفع الأوراق إلى القومسيون الطبي العام الذي قرر في 9 من أغسطس سنة 1959 أنه: "مريض بانسداد بالضفيرة اليسرى للقلب وعدم كفاءة الدورة التاجية ومن المحتمل تحسن صحته" ووقع المدعي على هذا في ذات التاريخ. لهذا رأى التفتيش العام أن المدة التي انقطعها من 28 من مايو إلى 9 من يونيه سنة 1959 تقل عن خمسة عشر يوماً وتسوى ضمن أجازته المرضية أو الاعتيادية وأن المدة التالية لذلك حتى 9 من أغسطس سنة 1959 كان المدعي فيها غير منقطع لأنه كان تحت تصرف القومسيون. وأن انقطاعه يعتبر قائماً من 10 من ذات الشهر حيث إنه لم يقم في هذا التاريخ – خاصة بعد أن علم بقرار القومسيون الطبي العام – بتقديم نفسه للجهة التي يعمل بها لاستئناف عمله أو لمنحه أجازة مرضية أخرى بدون أجر وظل منقطعاً مدة أحد عشر شهراً ولم يتحرك إلا في 4 من يوليه سنة 1960 كما سبق القول وبناء على ما ارتآه التفتيش العام من تعديل تاريخ الفصل أصدر السيد الوزير القرار رقم 886 في 17 من ديسمبر سنة 1961 بتعديل تاريخ انتهاء خدمته وجعله اعتباراً من 10 من أغسطس سنة 1959 لانقطاعه عن العمل بدون إذن أكثر من خمسة عشر يوماً متتالية، وهو القرار المطعون فيه وقد أخطر به المدعي في 11 من فبراير سنة 1962 فتظلم منه في 12 من أبريل سنة 1962 ورفع دعواه في 17 من يونيه سنة 1962.. ثم أضافت الوزارة أنها رتبت أثر المادة 12 من القانون رقم 210 لسنة 1951 على مجرد الانقطاع "بدون إذن"، وليس الانقطاع "بدون عذر" كما أنها رتبت أثرها على الانقطاع الذي يحدث عقب أجازة مرخص بها إذ يجب على الموظف بعد الأجازة أن يعود لعمله أو يطلب مدها وإلا اعتبر منقطعاً بدون إذن وتحقق في حقه حكم هذه المادة.. وأنه وقد وضح من الوقائع السابقة أن المدعي اعتبر في العمل حتى 9 من أغسطس سنة 1959 ولم يقرر له القومسيون أية أجازة عند فحص حالته بل كل ما فعله هو أنه شخص حالته المرضية وأفاد أن من المحتمل شفاءه وذلك لكي تتخذ الجهة الإدارية في شأن استمراره في العمل أو فصله، الأمر الذي لا يجوز معه للمدعي أن ينقطع عن العمل بعد ذلك.. بل كان يجب عليه أن يعود لعمله فوراً ويضع نفسه تحت تصرف الجهة التي يعمل بها حتى تقرر ما تراه بشأنه في ضوء تقرير القومسيون.. وإذا كان لا يستطيع العودة إلى عمله فكان يجب عليه أن يطلب منحه أجازة مرضية أخرى بدون مرتب طبقاً للمادة 68 من قانون موظفي الدولة – التي تجيز لوكيل الوزارة منح الموظف الذي استنفد كل أجازاته المرضية بمرتب وبدونه أجازة أخرى بدون مرتب لمدة ستة شهور أخرى – ولكن المدعي لم يتخذ أي موقف بعد الكشف عليه بمعرفة القومسيون الطبي العام وبذلك يكون حكم المادة 112 قد تحقق.. وأردفت الوزارة قائلة أنه من ناحية أخرى قد تحقق بالنسبة إلى المدعي حكم المادة 68 من القانون رقم 210 لسنة 1951، فهو قد استنفد أجازاته المرضية بمرتب وبنصفه وبربعه ثم منح أجازة أخرى بدون مرتب مدة ستة شهور ثم أحيل إلى القومسيون الطبي ليقرر ما إذا كان من المحتمل شفاؤه أم لا فقرر أنه من المحتمل شفاؤه وكان يجوز لوكيل الوزارة بناء على ذلك منحه أجازة مرضية أخرى بدون مرتب مدة ستة شهور أخرى ولكن ذلك منوط بعودته إلى العمل أو على الأقل بطلبه ذلك ولكنه لم يطلب ولم يعد للعمل فحق للجهة الإدارية أن تفصله تطبيقاً لحكم القانون.. ثم قالت الوزارة أنه لو فرض جدلاً إمكان اعتباره بأجازة مرضية بدون مرتب مدة ستة شهور لاحقة على قرار القومسيون المشار إليه فإن هذه الأجازة كانت تنتهي في 9 من فبراير سنة 1960 ولم يكن يحق له بعدها أن يمنح أية أجازة أخرى، ولا حتى بموافقة وكيل الوزارة، ومن ثم كان يتعين فصله بقوة القانون.. وأنه على كل حال قد استنفد طاقته كعضو صالح لأداء الوظيفة وانتفت عنه أسباب الصلاحية للبقاء فيها وأنه لذلك يصبح قرار إنهاء خدمته ضرورياً بحكم القانون والواقع سواء حملناه بالتطبيق لحكم المادة 112 أو المادة 68 سالفتي الذكر ومن ثم فلا وجه لما يطلبه المدعي من إلغاء هذا القرار.. وانتهت الوزارة إلى طلب رفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات.
وبجلسة 28 من أبريل سنة 1965 قضت محكمة القضاء الإداري برفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.. وأقامت قضاءها – بعد أن استعرضت وقائع النزاع ونص المادتين 67، 68 من القانون رقم 210 لسنة 1951 الذي كان سارياً حينذاك – على أنه يظهر من سياق هذه الوقائع أن المدعي قد استنفد أجازاته الاعتيادية والمرضية؛ بل والتي منها بلا مرتب؛ ولم يعد إلى عمله ويحصل على الامتداد الجوازي لهذا النوع الأخير من الأجازة فإنه – إعمالاً لحكم المادة 68 سالف الإشارة إليها – يتعين فصله من الخدمة لتوافر الأمر الذي خالف به الواجب بعدم العودة إلى عمله أي يتعين فصله بحكم القانون من 10 من أغسطس سنة 1959.. وأنه ترتيباً على ذلك يكون سبب الفصل هو عدم عودة المدعي إلى عمله في اليوم المذكور إعمالاً لحكم هذه المادة وليس سبب الفصل؛ كما رأت الجهة الإدارية، هو انقطاعه عن عمله بدون إذن مدة خمسة عشر يوماً متتالية إعمالاً لحكم المادة 112 من القانون رقم 210 لسنة 1951 المشار إليه.. وهذا السبب الصحيح لفصل المدعي يقوم على قرينة هي عدم لياقته للخدمة صحياً مما أعجزه عن القيام بالواجب المفروض عليه من العودة إلى عمله.. وعدم اللياقة هذه يرتب المشرع عليها إنهاء خدمته في الفقرة الثانية من المادة 107 من القانون آنف الذكر.. أما السبب الباطل الذي استندت إليه الجهة الإدارية في إنهاء خدمته؛ وهو انقطاعه عن العمل بدون إذن مدة خمسة عشر يوماً متتالية إعمالاً لحكم المادة 112 المشار إليها – فإنه لا يقوم قانوناً في هذه الحالة لأن القرينة التي يقوم عليها هذا الانقطاع؛ وبصريح النص؛ هي الاستقالة. وهي قرينة منتفاة بالنسبة لحالة المدعي إذ أن انقطاعه كان للمرض الذي استنفد من أجله الأجازات القانونية، من اعتيادية إلى مرضية بمرتب وبلا مرتب، وأنه متى كان السبب الصحيح لفصل المدعي هو عدم عودته لعمله بعد أن انتهت هذه الأجازات، وهو سبب محدد في المادة 68 سالفة الذكر، فإن في مكنة المحكمة أن تحله محل السبب الباطل وتقوم بدلاً من الجهة الإدارية بتصويب القرار فيتحول به من قرار باطل إلى قرار مشروع ومن ثم يكون طعن المدعي على هذا القرار المشروع قانوناً غير قائم على أساس سليم ويتعين لذلك رفضه.
طعن المدعي في هذا الحكم بصحيفة أودعها سكرتارية هذه المحكمة في 31 من مايو سنة 1965 طالباً القضاء بقبول طعنه شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه بكامل أجزائه وإلغاء القرار المطعون فيه بما يترتب على ذلك من جميع الآثار، وإلا تسوية حالته على أساس حقه في المعاش من 10 من أغسطس سنة 1959 بالتطبيق للمواد 21، 22، 39 من القانون رقم 394 لسنة 1956 وفي كل الأحوال بإلزام الحكومة بالمصروفات.. وبني طعنه على أن الحكم المطعون فيه قد جاوزه التوفيق فيما قضاه لأنه صوب القرار الباطل في حالة لا تأذن بالتصويب.. ذلك لأن الفصل للعجز الصحي يختلف عن الفصل للاستقالة الاعتبارية سبباً وغرضاً وأثراً؛ كما أن الحكم المطعون فيه – بفرض سلامة ما ذهب إليه – لم يفصل فيما طلبه المدعي بمذكرته المؤرخة 10 من مارس سنة 1965 بتسوية حالته على أساس حقه في المعاش من 10 من أغسطس سنة 1959 بالتطبيق للمواد 21؛ 22؛ 39 من القانون رقم 394 لسنة 1956.
ومن حيث إنه يبين من الإطلاع على أوراق الدعوى أن المدعي أصابه المرض في منتصف عام 1957 الأمر الذي جعله يحصل على أجازات مرضية تباعاً ما كان منها بمرتب كامل وبنصف مرتب وبربع مرتب حيث استنفد أجازاته في 18 من نوفمبر سنة 1958.. ثم حصل على أجازات مرضية بدون مرتب حتى 27 من مايو سنة 1959.. وقبل انتهاء هذه الأجازات أحيل إلى قومسيون طبي سوهاج الذي قرر في 10 من يونيه سنة 1959 أنه لا يرجى شفاؤه.. ثم أعاد الكشف عليه في 25 من الشهر ذاته فأحاله إلى مستشفى سوهاج لفحصه.. وفي 26 من يوليه سنة 1959 قرر ذلك القومسيون رفع أوراقه إلى القومسيون الطبي العام الذي قام بفحصه وبحث حالته.. وفي 9 من أغسطس سنة 1959 أدلى هذا القومسيون بقراره في تشخيص حالة المدعي بالآتي : "انسداد الضفيرة اليسرى للقلب وعدم كفاءة الدورة التاجية ومن المحتمل تحسن حالته" ووقع المدعي على هذا القرار في ذات يوم صدوره.. ولما لم يعد إلى عمله صدر القرار رقم 623 في 17 من أكتوبر سنة 1960 باعتباره مستقيلاً لانقطاعه عن العمل أكثر من خمسة عشر يوماً ثم صدر القرار رقم 886 لسنة 1961 في 17 من ديسمبر سنة 1961 – وهو القرار المطعون فيه – معدلاً للقرار الأول وناصاً على ما يأتي : (يعدل تاريخ انتهاء خدمة الدكتور فؤاد رزق الله جاب الله (المدعي).. وجعله اعتباراً من 10 أغسطس سنة 1959 لانقطاعه عن العمل بدون إذن أكثر من خمسة عشر يوماً متتالية).
ومن حيث إن الثابت مما تقدم أن السبب الذي قام عليه قرار إنهاء خدمة المدعي هو أنه انقطع عن العمل بدون إذن أكثر من خمسة عشر يوماً متتالية إعمالاً لحكم المادة 112 من القانون رقم 210 لسنة 1951 الذي كان سارياً حينذاك.
ومن حيث إن المادة 112 سالفة الذكر تنص على أن "الموظف يعتبر مستقيلاً في حالتين:
1) إذا انقطع عن عمله بدون إذن خمسة عشر يوماً متتالية ولو كان الانقطاع عقب أجازة مرخص له بها ما لم يقدم خلال الخمسة عشر يوماً التالية ما يثبت أن انقطاعه كان لعذر مقبول. وفي هذه الحالة يجوز لوكيل الوزارة المختص أن يقرر عدم حرمانه من مرتبه عن مدة الانقطاع.
2)……….
وفي الحالة الأولى "إذا لم يقدم الموظف أسباباً تبرر الانقطاع أو قدم هذه الأسباب ورفضت اعتبرت خدمته منتهية من تاريخ انقطاعه عن العمل" ومفهوم هذا النص أن المشرع قد اعتبر غياب الموظف عن عمله المدة المشار إليها دون إذن سابق قرينة قانونية على الاستقالة… وهذه القرينة يمكن دحضها إذا قدم الموظف ما يثبت أن انقطاعه عن العمل كان لعذر مقبول.
ومن حيث إن الثابت من واقعة الدعوى الحالية – حسبما سبق سرده في بيان وقائعها – أن انقطاع المدعي عن العمل كان بسبب مرضه – والمرض بلا أدنى شك يعتبر عذراً مقبولاً للانقطاع – وهذا السبب كان ماثلاً ومعلوماً تماماً للجهة الإدارية مما هو ثابت من التقارير الطبية والتي أخرها قرار القومسيون الطبي العام الصادر في 9 من أغسطس سنة 1959، والسابق إيراد نصه، وأنه وإن كان قد جاء في هذا القرار الأخير أنه من المحتمل تحسن حالة المدعي إلا أن ذلك لا يعني، بطبيعة الحال، أنه كان يمكنه العودة لمباشرة عمله إذ لو كان في استطاعته العودة لقرار القومسيون الطبي ذلك صراحة في قراره المنوه عنه.. ومتى كان الانقطاع لعذر مقبول فقد انتفى القول بأنه كان للاستقالة وبالتالي تنتفي القرينة القانونية التي رتبها القانون على هذا الانقطاع ومن ثم فلا محل لتطبيق نص المادة 112 سالفة الذكر وعلى ذلك فإن قرار الجهة الإدارية بإنهاء خدمة المدعي بالتطبيق لهذه المادة يكون غير صحيح في القانون ويكون طلب المدعي إلغاء هذا القرار قائماً، والحالة هذه، على أساس سليم من القانون جديراً بإجابته إليه.. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب – بقضائه برفض هذا الطلب فإنه يكون أخطأ في تطبيق القانون متعين الإلغاء.
ومن حيث إنه لا حجة فيما ذهب إليه الحكم المطعون فيه – من أن السبب الصحيح لقرار إنهاء خدمة المدعي يقوم على قرينة هي عدم لياقته للخدمة صحياً وأن عدم اللياقة هذه يرتب المشرع عليها إنهاء خدمته في الفقرة الثانية من المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وأن في مكنة المحكمة أن تحل هذا السبب الصحيح محل السبب الذي بني عليه القرار لا حجة في ذلك لأنه ما كان يسوغ أن يقوم القضاء الإداري مقام الإدارة في إحلال سبب آخر محل السبب الذي قام عليه القرار.. ذلك أن دور القضاء الإداري يقتصر على مراقبة صحة السبب الذي تذرعت به جهة الإدارة في إصدار قرارها.. ولا يسوغ له أن يتعداه إلى ما وراء ذلك بافتراض أسباب أخرى يحمل عليها القرار. وفضلاً عن ذلك فإن المادة 109 من القانون رقم 210 لسنة 1951 قد نصت على أن "تثبت عدم اللياقة الصحية بقرار من القومسيون الطبي العام بناء على طلب الموظف أو الحكومة…" ولما كان المستفاد من الأوراق.. أن المدعي – وإن استنفد جميع أجازاته المرضية التي بمرتب كامل أو بنصفه أو بربعه ثم حصل على أجازة بدون مرتب – إلا أن القومسيون الطبي العام لم يقطع بعدم لياقته الصحية للخدمة.. وآية ذلك قراره الصادر في 9 من أغسطس سنة 1959 الذي أثبت فيه حالة المدعي وانتهى إلى رأي مفاده أنه "من المحتمل تحسن حالته" وهذه العبارة لا تفيد بحال لياقة المدعي للخدمة صحياً أو عدم لياقته.. ومن ثم فإنه لا يمكن القول أن المدعي قد تقررت عدم لياقته الصحية بقرار من الجهة التي عقد لها القانون هذا الأمر كما لا يجوز اتخاذ نفاد أجازاته المرضية قرينة على القطع بعدم لياقته صحياً للخدمة.. ومن ثم فقد كان متعيناً على الجهة الإدارية أن تتبع في شأنه الإجراءات التي رسمها القانون في هذه الحالة بأن تحيله إلى القومسيون الطبي لبيان مدى لياقته الصحية ثم تتصرف على ضوء ما يقرره في شأنه حتى إذا أثبت أنه عاجز صحياً عن أداء عمله أنهت خدمته بسبب عدم اللياقة الصحية إعمالاً لحكم المادة 107 من القانون المشار إليه.. بيد أن الجهة الإدارية – بدلاً من أن تتخذ حياله الإجراءات السليمة ورغم علمها بمرضه – أصدرت قراراً بإنهاء خدمته طبقاً للمادة 112 سالفة الذكر – مع أن الحالة التي واجهتها – حسبما سلف البيان، ليست من الحالات التي يتناولها تطبيق المادة المذكورة.
ومن حيث إنه لما تقدم يتعين القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء القرار المطعون فيه مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء القرار رقم 886 الصادر في 17/ 12/ 1961 وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات