الطعن رقم 1646 السنة 52 ق – جلسة 28 /03 /1988
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
الجزء الأول – السنة 39 – صـ 524
جلسة 28 من مارس سنة 1988
برئاسة السيد المستشار/ الدكتور عبد المنعم أحمد بركه – نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ فهمي الخياط، كمال نافع، محمد مصباح ويحيى عارف.
الطعن رقم 1646 السنة 52 القضائية
(1 – 2) حكم "تسبيبه" "الدفاع الجوهري". محكمة الموضوع.
الدفاع الجوهري الذي تلتزم المحكمة بالرد عليه. ماهيته. دفاع مجرد عن دليله. التفات
المحكمة عنه. لا خطأ.
عدم التزام محكمة الموضوع بلفت نظر الخصم إلى مقتضيات دفاعه. حسبها أن تقيم قضاءها
على ما يكفي لحمله.
(2 – 4) إيجار "إيجار الأماكن": "احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد". قانون.
خلو قوانين إيجار الأماكن من تنظيم حالة معينة. وجوب الرجوع إلى القواعد العامة
للإيجار في القانون المدني. وفاة المستأجر أثناء المدة الاتفاقية وقبل استلامه المسكن
المؤجر. حلول ورثته محله باعتبارهم وارثين لعقد الإيجار. م 601 مدني. لا محل لإعمال
أحكام الامتداد الواردة في قوانين إيجار الأماكن.
احتجاز أكثر من مسكن في البلد الواحد. مناطه. انفراد المستأجر بالسيطرة المادية
والقانونية على المساكن التي أبرم عقود إيجارها. المقصود بالسيطرة المادية. ارتفاع
الحظر عن الأماكن التي لا تصلح للسكنى. مثال التعاقد عن سكن لم يتم بناؤه.
1 – المقرر في قضاء هذه المحكمة – أن الدفاع الجوهري الذي تلتزم المحكمة بتحصيله وتحقيقه
والرد عليه هو الدفاع الذي يقدمه الخصم مؤيداً بدليله أو يطلب تمكينه من التدليل عليه
وإثباته من شأنه إن صح تغيير وجه الرأي في الدعوى، فإذا تخلف هذا الوصف في الدفاع فلا
على محكمة الموضوع إن هي التفتت عنه.
2 – محكمة الموضوع غير ملزمة بتكليف الخصم بتقديم الدليل على دفاعه أو لفت نظره إلى
مقتضيات هذا الدفاع، وحسبها أن تقيم قضاءها وفقاً للمستندات والأدلة المطروحة عليها
بما يكفي لحمله.
3 – المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المشرع نظم الأحكام العامة لعقد الإيجار في القانون
المدني وهي واجبة التطبيق في الأصل على ما يبرم في ظلها من عقود، ما لم يرد في تشريعات
إيجار الأماكن الاستثنائية نص خاص يتعارض وأحكامها فإنها تسري في نطاق الأغراض التي
وضعت لها دون توسع في التفسير وكان النص في المادة 29 من القانون رقم 49 سنة 1977 على
أنه "…… لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه العين إذا بقى فيها
زوجه أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون معه حتى الوفاة أو الترك……"
يدل على أن المشرع جعل لبعض أقارب المستأجر المقيمين معه حقاً في الاستمرار والانتفاع
بالعين بشروط معينة بينها، بما لازمه أن تكون العين المؤجرة قد تم تسليمها للمستأجر
وأن الأخير أقام بها مع عائلته أو أقاربه حتى وفاته، وإذ خلت نصوص التشريعات الخاصة
سالفة البيان من إيراد نص يحكم حالة حصول وفاة المستأجر أثناء مدة العقد الاتفاقية،
فإنه يتعين الرجوع إلى القواعد العامة للإيجار المنصوص عليها في القانون المدني باعتبارها
التي تحكم واقعة النزاع، ومنها ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 601 من أنه "لا
ينتهي عقد الإيجار بموت المؤجر ولا بموت المستأجر ومع ذلك إذا مات المستأجر جاز لورثته
أن يطلبوا إنهاء العقد إذا أثبتوا أنه بسبب موت مورثهم أصبحت أعباء العقد أثقل من أن
تتحملها مواردهم، أو أصبح الإيجار مجاوزاً حدود حاجتهم……." بما مفاده أن المشرع
جعل القاعدة العامة أن موت المستأجر الأصلي لا ينهي عقد الإيجار، بل تنتقل الحقوق والالتزامات
الناشئة عنه إلى الورثة أخذاً بأن الأصل في العقود المالية أنها لا تبرم عادة لاعتبارات
شخصية، فإذا توفي المستأجر قبل انتهاء المدة المتفق عليها في العقد فإن عقد الإيجار
يبقى قائماً ويحق لورثة المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، باعتبارهم وراثين لحق إيجارها
دون اعتبار لسبق إقامته أو إقامتهم فيها.
4 – النص في الفقرة الأولى من المادة الثامنة من القانون رقم 49 سنة 1977 بشأن تنظيم
العلاقة بين المؤجر والمستأجر – المقابلة لنص المادة 5/ 1 من القانون رقم 52 سنة 1969
– على أنه "لا يجوز للشخص أن يحتجز في البلد الواحد أكثر من مسكن دون مقتض." يدل على
أن مناط الاحتجاز – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – هو أن ينفرد المستأجر بالسيطرة
المادية والقانونية على المسكنين أو المساكن التي أبرم عقود إيجارها بحيث لا تقتصر
الروابط الإيجارية الناشئة عن هذه العقود على مجرد كونه طرفاً في العقد كمستأجر فيها
وإنما لا بد أن يتوافر في شأنه الإنفراد المطلق والمستمر بالانتفاع بسكنى كل عين، فإذا
اقتصرت الروابط الإيجارية الناشئة عن هذه العقود على مجرد ظهوره كمستأجر فيها، دون
أن تكون له سيطرة مادية إلا على مسكن واحد مما استأجره، فإنه يرتفع الحظر المنصوص عليه
في المادة المذكورة، لما كان ذلك وكانت السيطرة المادية على العين المؤجرة لا تتحقق
إلا بتسليم المستأجر لها لينتفع بها وفقاً للغرض الذي خصصت من أجله بعقد الإيجار، فإذا
لم تكن قد سلمت له أو حيل بينه وبين الانتفاع بها لسبب لا دخل لإرادته فيه، فإن ذلك
لا يعد احتجازاً لها إذ أن الأصل أن المشرع لا يؤثم إبرام المستأجر أكثر من عقد إيجار،
لأن التعاقد في حد ذاته جائز، وبطلان عقد الإيجار أو انفساخه في هذه الحالة مرتبط بما
قد يترتب عليه من وجود أكثر من مسكن دون مقتض في يد شخص واحد بما يستتبعه من حرمان
راغبي السكنى من شغل ما يزيد عن حاجة من يحتجز أكثر من مسكن، وهو ما لا يتوافر في الأماكن
التي لا تصلح للسكنى، إذ اقتصر الحظر الوارد في المادة الثامنة من القانون رقم 49 سنة
1977 على الاحتجاز دون مقتض، فإذا تحقق المقتضى فلا حظر، ومن ثم فإنه يبين أن مقصود
المشرع لم ينصرف إلى حظر التعاقد عن مسكن لم يتم بناؤه، وإلا انطوى هذا الحظر على الإلزام
بالإقامة في مسكن معين لا يستطيع المستأجر أن يستبدل به آخر أكثر سعة أو ملائمة لما
قد يطرأ من ظروف أو تحقيقاً لغير ذلك من المقاصد المشروعة التي أباحها القانون، طالما
أنه لم يحتجز المسكن الجديد بعد تسلمه بالإضافة إلى مسكنه السابق دون مقتض، إذ أن مؤدى
ما يثيره الطاعن إلزام المستأجر بالتخلي عن مسكنه الذي يشغله، والافتراض مسبقاً أنه
سوف يحتجز أكثر من مسكن في البلد الواحد على خلاف القانون، وأن يمنع بداءة من التعاقد.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في
أن الطاعن أقام الدعوى رقم 6860 سنة 1980 مدني كلي شمال القاهرة على المطعون ضدها بطلب
الحكم ببطلان عقد الإيجار المؤرخ 11/ 12/ 1977 وعدم أحقيتها في العين المبينة بذلك
العقد، وقال بياناً لذلك، أنه اضطر إلى تحرير العقد المذكور مع زوج المطعون ضدها…….
عن وحدة سكنية لم تكن قائمة، بعد أن تقدم الأخير ضده بشكوى قيدت برقم 292 سنة 1979
جنح مستعجلة مدينة نصر، ادعى فيها تقاضيه مبلغ خمسة آلاف جنيه ليؤجره شقة بالعقار الذي
يملكه، ثم اتفق الطرفان على تحديد العين المؤجرة، وبعد وفاة المستأجر طالبته المطعون
ضدها بتسليم عين النزاع، وإذ كان قد أكره على تحرير عقد الإيجار بطريق التهديد واستغل
زوج المطعون ضدها في ذلك صفته كضابط شرطة فضلاً عن انتهاء العقد قبل تنفيذه بوفاة المستأجر
قبل بناء العين المؤجرة وعدم إقامة أي من ورثته بها إلى جانب أن للمطعون ضدها مسكن
آخر بمدينة القاهرة ولا يحق لها الجمع بين مسكنين في البلد الواحد بغير مقتضٍ، ولذا
أقام الدعوى بطلباته السالفة، بتاريخ 17/ 6/ 1981 حكمت المحكمة بانتهاء عقد الإيجار
المؤرخ 11/ 12/ 1977 وعدم أحقية المطعون ضدها في شغل عين النزاع، استأنفت المطعون ضدها
هذا الحكم بالاستئناف رقم 5564 لسنة 98 ق القاهرة وبتاريخ 15/ 4/ 1982 قضت المحكمة
بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى، طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة
العامة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة
حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب، ينعى الطاعن بالسبب الأول منها على الحكم المطعون
فيه الإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقول، أنه أقام دفاعه على
أنه أكره على تحرير عقد الإيجار مع مورث المطعون ضدها، وأن هذا الإكراه قد تمثل في
إبلاغ الأخير في محضر الجنحة رقم 292 سنة 1979 مستعجل مدينة نصر بأنه تقاضى منه مبلغاً
كخلو رجل، ورغم أن هذا الدفاع جوهري، إلا أن المحكمة لم تقم بتحقيقه ولم تأمر بضم المحضر
المذكور ولم تكلفه بتقديم صورة رسمية منه، واكتفى الحكم المطعون فيه بقوله أنه لم يقدم
صورة من ذلك المحضر دون أن يبين الوسيلة الواجب اتباعها لإثبات دفاعه.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أنه لما كان المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدفاع الجوهري
الذي تلتزم المحكمة بتحصيله وتحقيقه والرد عليه هو الدفاع الذي يقدمه الخصم مؤيداً
بدليله أو بطلب تمكينه من التدليل عليه وإثباته ويكون من شأنه إن صح تغيير وجه الرأي
في الدعوى، فإذا تخلف هذا الوصف في الدفاع فلا على محكمة الموضوع إن هي التفتت عنه،
إذ أنها غير ملزمة بتكليف الخصم بتقديم الدليل على دفاعها أو لفت نظره إلى مقتضيات
هذا الدفاع، وحسبها أن تقيم قضاءها وفقاً للمستندات والأدلة المطروحة عليها بما يكفي
لحمله، وإذ ثبت من الأوراق أن الطاعن لم يقدم صورة محضر الجنحة الذي ركن إليه فيما
أثاره من أن عقد الإيجار محل التداعي كان وليد إكراه وقع عليه، وكان الحكم المطعون
فيما قد أورد بمدوناته رداً على ما أبداه الطاعن في هذا الصدد أنه: "لم يقدم التحقيقات
التي لوح بوجودها رغم إتاحة الفرصة له………. ولم يحدد وسيلة لإثبات ادعائه……."
فإنه لا يعيب الحكم الالتفات عن هذا الدفاع العاري عن دليله، ويكون النعي على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في
تطبيقه، وفي بيان ذلك يقول، أن الحكم طبق نص المادة 601/ 2 من القانون المدني على واقعة
النزاع، واستبعد نص المادة 29 من القانون رقم 49 سنة 1977 الواجبة التطبيق والتي تشترط
لامتداد عقد الإيجار لورثة المستأجر أن تكون لهم إقامة بالعين المؤجرة قبل وفاة مورثهم،
وهو ما يشترط نص المادة 601/ 2 من القانون المدني، وإذ لم تكن عين النزاع قد أقيمت
بعد في الوقت الذي قضى المستأجر فيه نخبه، فإن مؤدى ذلك أن المطعون ضدها لم تشغلها
حال حياة مورثها، ومن ثم فلا يمتد إليها عقد الإيجار، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا
النظر، فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن – المقرر في قضاء هذه المحكمة – أن المشرع نظم الأحكام
العامة لعقد الإيجار في القانون المدني وهي واجبة التطبيق في الأصل على ما يبرم في
ظلها من عقود، ما لم يرد في تشريعات إيجار الأماكن الاستثنائية نص خاص يتعارض وأحكامها
فإنها تسري في نطاق الأغراض التي وضعت لها دون توسع في التفسير وكان النص في المادة
29 من القانون رقم 49 سنة 1977 على أنه "……… لا ينتهي عقد إيجار المسكن بوفاة
المستأجر أو تركه العين إذا بقى فيها زوجه أو أولاده أو أي من والديه الذين كانوا يقيمون
معه حتى الوفاة أو الترك……." يدل على أن المشرع جعل لبعض أقارب المستأجر المقيمين
معه حقاً في الاستمرار والانتفاع بالعين بشروط معينة بينها، بما لازمه أن تكون العين
المؤجرة قد تم تسليمها للمستأجر وأن الأخير أقام بها مع عائلته أو أقاربه حتى وفاته،
وإذ خلت نصوص التشريعات الخاصة سالفة البيان من إيراد نص يحكم حالة حصول وفاة المستأجر
أثناء مدة العقد الاتفاقية، فإنه يتعين الرجوع إلى القواعد العامة للإيجار المنصوص
عليها في القانون المدني باعتبارها التي تحكم واقعة النزاع، ومنها ما نصت عليه الفقرة
الأولى من المادة 601 من أنه لا ينتهي عقد الإيجار بموت المؤجر ولا بموت المستأجر،
ومع ذلك إذا مات المستأجر جاز لورثته أن يطلبوا إنهاء العقد إذا أثبتوا أنه بسبب موت
مورثهم أصبحت أعباء العقد أثقل من أن تتحملها مواردهم، أو أصبح الإيجار مجاوزاً حدود
حاجتهم……. بما مفاده أن المشرع جعل القاعدة العامة أن موت المستأجر الأصلي لا ينهي
عقد الإيجار، بل تنقل الحقوق والالتزامات الناشئة عنه إلى الورثة أخذاً بأن الأصل في
العقود المالية أنها لا تبرم عادة لاعتبارات شخصية، فإذا توفي المستأجر قبل انتهاء
المدة المتفق عليها في العقد فإن عقد الإيجار يبقى قائماً وبحق لورثة المستأجر الانتفاع
بالعين المؤجرة، باعتبارهم وراثين لحق إيجارها دون اعتبار لسبق إقامته أو إقامتهم فيها،
لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق ومدونات الحكم المطعون فيه أن المستأجر الأصلي
– مورث المطعون ضدها – قد توفي قبل إعداد العين للسكنى تنفيذاً لعقد الإيجار، وبالتالي
قبل انتهاء مدته الاتفاقية، فإنه يبقى قائماً، وبحق لأرملته – المطعون ضدها – الانتفاع
بها باعتبارها وارثة لحق إيجارها بوفاة زوجها طبقاً لحكم المادة 601 من القانون المدني،
وكان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر، فإن النعي عليه بمخالفة القانون والخطأ
في تطبيقه يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون،
وفي بيان ذلك يقول، أنه أقام دفاعه على أن المطعون ضدها تحتجز مسكناً آخر بمدينة القاهرة
دون مقتضٍ، ورد الحكم على هذا الدفاع بأنه يشترط لتحقق احتجاز مسكنين في البلد الواحد
أن يكون المستأجر قد تسلم العين المؤجرة، وما ذهب إليه الحكم على هذا النحو يعد تقييداً
لنص المادة الثامنة من القانون رقم 49 سنة 1977 لا سند له، إذ يبطل عقد الإيجار إذا
توافر سبب الحظر عند التعاقد.
وحيث إن هذا النعي في غير محله، ذلك أن النص في الفقرة الأولى من المادة الثامنة من
القانون رقم 49 سنة 1977 بشأن تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر – المقابلة لنص المادة
5/ 1 من القانون رقم 52 سنة 1969 – على أنه "لا يجوز للشخص أن يحتجز في البلد الواحد
أكثر من مسكن دون مقتضٍ." يدل على أن مناط الاحتجاز – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– هو أن ينفرد المستأجر بالسيطرة المادية والقانونية على المسكن أو المساكن التي أبرم
عقود إيجارها بحيث لا تقتصر الروابط الإيجارية الناشئة عن هذه العقود على مجرد كونه
طرفاً في العقد كمستأجر فيها وإنما لا بد أن يتوافر في شأنه الإنفراد المطلق والمستمر
بالانتفاع بسكنى كل عين، فإذا اقتصرت الروابط الإيجارية الناشئة عن هذه العقود على
مجرد ظهوره كمستأجر فيها، دون أن تكون له سيطرة مادية إلا على مسكن واحد مما استأجره،
فإنه يرتفع الحظر المنصوص عليه في المادة المذكورة، لما كان ذلك وكانت السيطرة المادية
على العين المؤجرة لا تتحقق إلا بتسليم المستأجر لها لينتفع بها وفقاً للغرض الذي خصصت
من أجله بعقد الإيجار، فإذا لم تكن قد سلمت له أو حيل بينه وبين الانتفاع بها لسبب
لا دخل لإرادته فيه، فإن ذلك لا يعد احتجازاً لها إذ الأصل أن المشرع لا يؤثم إبرام
المستأجر أكثر من عقد إيجار، لأن التعاقد في حد ذاته جائز، وبطلان عقد الإيجار أو انفساخه
في هذه الحالة مرتبط بما قد يترتب عليه من وجود أكثر من مسكن دون مقتضٍ في يد شخص واحد
بما يستتبعه من حرمان راغبي السكنى من شغل ما يزيد عن حاجة من يحتجز أكثر من سكن، وهو
ما لا يتوافر في الأماكن التي لا تصلح للسكنى، إذ اقتصر الحظر الوارد في المادة الثامنة
من القانون رقم 49 سنة 1977 على الاحتجاز دون مقتضٍ، فإذا تحقق المقتضى فلا حظر، ومن
ثم فإنه يبين أن مقصود المشرع لم ينصرف إلى حظر التعاقد عن مسكن لم يتم بناؤه، وإلا
انطوى هذا الحظر على الإلزام بالإقامة في مسكن معين لا يستطيع المستأجر أن يستبدل به
آخر أكثر سعة أو ملائمة لما قد يطرأ من ظروف أو تحقيقاً لغير ذلك من المقاصد المشروعة
التي أباحها القانون، طالما أنه لم يحتجز المسكن الجديد بعد تسلمه بالإضافة إلى مسكنه
السابق دون مقتضٍ، إذ أن مؤدى ما يثيره الطاعن إلزام المستأجر بالتخلي عن مسكنه الذي
يشغله، والافتراض مسبقاً أنه سوف يحتجز أكثر من مسكن في البلد الواحد على خلاف القانون،
وأن يمنع بداءة من التعاقد، لما كان ما تقدم، وإذ كان الثابت من واقع الدعوى الذي سجله
الحكم المطعون فيه أن المطعون ضدها لم تتسلم بعد عين النزاع لعدم إعدادها للسكنى، فإن
الحكم المطعون فيه بقضائه برفض طلب الإخلاء المؤسس على احتجازها أكثر من مسكن في البلد
الواحد دون مقتضٍ يكون قد التزم صحيح القانون، ويكون النعي عليه بهذا السبب على غير
أساس.
ولما تقدم يتعين رفض الطعن.
