الطعن رقم 61 سنة 20 قضائية – جلسة 22 /05 /1952
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثالث – السنة 3 – صـ 1088
جلسة 22 من مايو سنة 1952
القضية رقم 61 سنة 20 قضائية
برياسة حضرة صاحب السعادة أحمد حلمي باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات
أصحاب العزة: عبد العزيز محمد بك وعبد الحميد وشاحي بك ومصطفى فاضل بك وعبد العزيز
سليمان بك المستشارين.
( أ ) نقض. طعن. سبب يقوم على عنصر واقعي لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع. عدم جواز
إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض. مثال.
(ب) مسئولية مدنية. دعوى بفسخ بيع ورد الثمن والملحقات لأن الشركة البائعة تسببت في
تلف البضاعة المبيعة. رفض هذه الدعوى لأسباب موضوعية سائغة. لا قصور. مثال.
1 – متى كان يبين من الأوراق أن الطاعن سار في جميع مراحل دعواه على اعتبار البيع الذي
تم بينه وبين المطعون عليها الأولى وهو بيع مشروط فيه إضافة المصاريف ورسوم التأمين
وأجرة النقل على الثمن أي بيع c. i. f. وذلك دون أن يثير أي نزاع في هذا الوصف ودون
أن يطالب باعتبار البيع بيعاً تحت التسليم، وكان سبب طعنه مؤسساً على أن البيع ليس
في حقيقته بيع c. i. f. وأن البائع ضامن فيه هلاك المبيع حتى تسليمه بميناء الوصول
وكان هذا السبب ينطوي على واقع لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع فإنه لا تجوز إثارته
لأول مرة أمام محكمة النقض.
2 – متى كانت المحكمة إذ قضت برفض الدعوى التي أقامها الطاعن بطلب فسخ عقد البيع الذي
أبرمه مع المطعون عليها الأولى قد أقامت قضاءها على أسباب تتحصل في أن الأوراق المقدمة
في الدعوى فيها ما يرجح أن الدقيق موضوع البيع شحن سليماً غير مصاب بالتلف الذي وجد
به عند تحليله. وأن التأخير في تفريغ شحنة السفينة وفي وصول وثائق الرسالة كان راجعاً
إلى ظروف الحرب. وأن المطعون عليها الأولى بمجرد علمها بتفريغ الدقيق لم تأل جهداً
في سبيل الحصول على إذن تسليم يحل محل حافظة الشحن التي تأخرت. وأن هناك عوامل تجمعت
ولم يكن للمطعون عليها الأولى دخل فيها حالت دون وصول الدقيق إلى الطاعن وسببت تأخير
البدء في عملية التخليص وأنها سلكت مسلكاً لا يشوبه التقصير وقامت بواجبها بقدر ما
سمحت به الظروف وأنه على فرض هطول أمطار غزيرة أثناء تخزين الدقيق في العراء لدى شركة
الاستيداع وكانت من عوامل زيادة تلفه فلا يصح أن تسأل عنه المطعون عليها الأولى لأنه
هكذا كان نظام التخزين في العراء بحكم الضرورة في ذلك الوقت، فإن هذا الذي قررته المحكمة
هو تحصيل موضوعي سائغ وفيه الرد الكافي المسقط لحجج الطاعن كما أنه لا يعيب الحكم خلوه
من الرد على ما أثاره الطاعن من امتناع المطعون عليها الأولى عن تسليمه وثيقة التأمين
وتعريفه عن اسم شركة التأمين إذ لا علاقة لهذه المسألة بمسئولية المطعون عليها الأولى
عن تلف الدقيق وهو الموضوع الذي انحصرت فيه الخصومة أمام محكمة الاستئناف.
الوقائع
في يوم 6 من مارس سنة 1950 طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف الإسكندرية الصادر في 11 من ديسمبر سنة 1949 في الاستئناف رقم 146 سنة 5 ق تجاري وذلك بتقرير طلب فيه الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية على محكمة الاستئناف للفصل فيها مجدداً من دائرة أخرى وإلزام المطعون عليها الأولى بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 11 و14 من مارس سنة 1950 أعلنت المطعون عليها بتقرير الطعن وفي 20 منه أودع الطاعن أصل ورقة إعلان المطعون عليهما بالطعن وصورة مطابقة للأصل من الحكم المطعون فيه ومذكرة بشرح أسباب الطعن وحافظة بمستنداته. وفي 15 من إبريل سنة 1950 أودعت المطعون عليها الأولى مذكرة بدفاعها مشفوعة بمستنداتها طلبت فيها رفض الطعن وإلزام الطاعن بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. ولم تقدم المطعون عليها الثانية دفاعاً. وفي 27 من ديسمبر سنة 1950 وضعت النيابة العامة مذكرتها وقالت فيها بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن بالمصروفات. وفي 8 من مايو سنة 1952 سمعت الدعوى على ما هو مبين بمحضر الجلسة… إلخ.
المحكمة
من حيث إن وقائع الدعوى الصادر فيها الحكم المطعون فيه تتحصل حسبما
يستفاد منه ومن سائر الأوراق المقدمة في الطعن – في أنه بموجب عقد محرر في 27 من فبراير
سنة 1945 باعت المطعون عليها الأولى إلى الطاعن 52 جوالاً من الدقيق الأبيض نوع (زيرو)
من أسمرة، ومما ورد في هذا العقد وفاتورة البيع المحررة في 15 من إبريل سنة 1945 أن
البيع "cif" وأن الثمن مقداره 416 ج بما فيه مصاريف الشحن ويضاف إليه مبلغ 16 ج، 620
م رسوم التأمين وأن التسليم بميناء السويس – وفي 15 من إبريل سنة 1945 شحن الدقيق على
الباخرة "فيلهو" بعد التصريح بتصديره بناء على شهادتين صادرتين في نفس التاريخ إحداهما
من صحة بلدية أسمرة والأخرى من فرع الزراعة بالجيش البريطاني بأريتريا بأنه في حالة
جيدة وصالح للاستهلاك البشري وخال من الآفات النباتية والحيوانية، وفي 24 من إبريل
سنة 1945 وصلت الباخرة إلى ميناء السويس ولكنها لم تفرغ شحنتها إلا في 30 من إبريل
سنة 1945 إذ أودع الدقيق لدى شركة الاستيداع (المطعون عليها الثانية) بمكان مكشوف يقع
بصحراء السويس، وفي هذا الوقت لم تكن وثائق الرسالة قد وصلت فاستصدرت المطعون عليها
الأولى خطاب ضمان من البنك العثماني وبمقتضاه حصلت من شركة الملاحة على إذن تسليم ليحل
محل حافظة الشحن التي تأخرت – وفي 2 من مايو سنة 1945 أرسلت هذا الإذن مع فاتورة البيع
إلى بنك باركليز بالإسكندرية لتسليمها إلى الطاعن مقابل قيامه بدفع باقي الثمن ونظراً
لأن اليوم التالي كان يوم جمعه ولا توزع فيه الرسائل الموصى عليها فلم يصلا إلى البنك
إلا في يوم السبت وفي هذا اليوم كتب البنك إلى الطاعن يدعوه إلى الحضور – ولما كان
اليوم التالي يوم أحد ولا تفتح فيه المصارف وقد تلاه يوم عطلة رسمية فقد توجه الطاعن
إلى البنك يوم الثلاثاء 8 من مايو سنة 1945 واطلع على الفاتورة وإذن التسليم ولكنه
لم يدفع الثمن إلا في يوم 10 منه ثم سلمها في اليوم التالي إلى المطعون عليها الأولى
بمكتبها الفرعي بالإسكندرية الذي بعث بهما إلى المكتب الرئيسي بالقاهرة وهذا بدوره
أرسلهما إلى شركة التخليص بالقاهرة التي أرسلهما إلى وكيلها بالسويس ومن ثم لم يبدأ
عملية التخليص إلا في يوم 15 من مايو سنة 1948، ولما عرض الدقيق على السلطات الصحية
رفضت الإفراج عنه إذ تبين من تحليله أنه غير صالح لغذاء الإنسان لتغير طعمه ورائحته
وارتفاع درجة الحموضة فيه واحتوائه على ديدان وحشرات كما أيد هذه النتيجة خبير ندب
من شركة اللويدز بناء على طلب شركة التخليص، ومما جاء في تقريره أن مطراً غزيراً سقط
بالسويس في يوم 12 من مايو سنة 1945 والأيام التالية وكان من العوامل التي زادت من
تلف الدقيق لتركه في العراء بغير وقاية، ولذلك أقام الطاعن في 21 من يناير سنة 1946
الدعوى رقم 549 سنة 71 قضائية محكمة الإسكندرية التجارية المختلطة بطلب الحكم بفسخ
عقد البيع وإلزام المطعون عليها الأولى بأن تدفع إليه مبلغ الثمن ورسوم التأمين السالف
ذكرها مع مبلغ 16 ج و285 م مصاريف التخليص وأتعاب الخبير ومبلغ 101 ج على سبيل التعويض
استناداً إلى أنها قد أخلت بالتزاماتها إذ باعت إليه دقيقاً غير مطابق للوصف المتفق
عليه وغير صالح للاستهلاك البشري ذلك أن التلف الذي وجد بالدقيق إما أن يكون متأصلاً
فيه وقت تصديره وفي هذه الحالة تكون مسئوليتها عنه واضحة، وإما يكون قد طرأ عليه بعد
تفريغه بميناء الوصول بفعل الأمطار التي هطلت وفي هذه الحالة تكون أيضاً مسئولة عنه
لتأخرها في تسليم وثائق الرسالة وفي التخليص عليها إذ كان يتعين عليها أن تقوم بالإجراءات
اللازمة لذلك فور وصول الباخرة – وفي 24 من مايو سنة 1948 قضت المحكمة بفسخ عقد البيع
وإلزام المطعون عليها الأولى بأن تدفع إلى الطاعن مبلغ 448ج و805 م مع رفض طلب التعويض
واستأنفت المطعون عليها هذا الحكم وقيد استئنافها برقم 671 سنة 72 قضائية محكمة استئناف
الإسكندرية المختلطة ثم أحيل على محكمة استئناف الإسكندرية (الوطنية) وقيد بجدولها
برقم 146 سنة 5 قضائية – وفي 11 من ديسمبر سنة 1949 قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف
وبرفض دعوى الطاعن وإلزامه بمصاريفها فقرر الطعن بطريق النقض في الحكم المذكور.
ومن حيث إن الطعن بني على ثلاثة أسباب حاصل أولها أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق
القانون وتأويله – ذلك أن المحكمة قضت برفض دعوى الطاعن استناداً إلى أنها وصفت عقد
البيع الذي أبرم بينه وبين المطعون عليها الأولى – أخذاً بظاهره – بأنه بيع c. i. f.
وقررت بناء على هذا الوصف أن هلاك المبيع يكون على عاتق المشتري – مع أنه وفقاً لما
جرى به القضاء وأجمع عليه الفقه لا يصح وصف البيع بالوصف المذكور إلا إذا سلم البائع
المشتري سند الحمولة أو إذن التسليم ووثيقة التأمين بمجرد وضع المبيع على ظهر السفينة
وأنه لما كانت المطعون عليها الأولى لم تسلمه إذ التسليم إلا بعد وصول السفينة وتفريغ
الدقيق المبيع فيكون البيع قد تحول إلى بيع تحت التسليم وفي هذه الحالة يكون هلاك الدقيق
على عاتقها ما دامت لم تقم بتسليمه إلى الطاعن.
ومن حيث إن هذا السبب غير مقبول، إذ يبين من الأوراق أن الطاعن سار في جميع مراحل دعواه
على اعتبار البيع الذي تم بينه وبين المطعون عليها الأولى هو بيع مشروط فيه إضافة المصاريف
ورسوم التأمين وأجرة النقل على الثمن أي بيع c. i. f. وذلك دون أن يثير أي نزاع في
هذا الوصف ودون أن يطالب باعتبار البيع بيعاً تحت التسليم، ولما كان هذا السبب ينطوي
على واقع لم يسبق عرضه على محكمة الموضوع فلا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض
وهو بعد سبب غير منتج إذ يبين من الحكم أنه وإن كان قد أشير فيه – في معرض تحدث المحكمة
عن الأساس الذي بني عليه الطاعن دعواه – إلى وصف البيع بأنه c. i. f. إلا أنه لم يكن
لهذا الوصف أي أثر في قضائه، ذلك أنه أقيم على ما انتهت إليه المحكمة من نتائج فما
أسس عليه الطاعن دعواه من مسئولية المطعون عليها الأولى عن التلف الذي أصاب الدقيق
المبيع للاعتبارات السالف بيانها – هذه المسئولية التي نفتها المحكمة بناء على الأسباب
التي أوردتها والآتي بيانها في الرد على الوجه الثاني من السببين الثاني والثالث، مما
يكون معه البحث في وصف العقد عديم الجدوى.
ومن حيث إن السببين الثاني والثالث يتحصلان في أن الحكم مشوب بالقصور من وجهين (أولهما)
إذ قالت المحكمة "إن الطاعن لم يلتفت إلى ما عساه تحتمله تصرفات البائعة في جملتها
وتفصيلها من أمارات ودلائل قد تعينه على إدراك ما أحدثته من تأثير في أحكام البيع المقرونة
بهذا الشرط – أي شرط c. i. f.. وقد تساعده على اتخاذ سبب آخر غير السبب الذي أسس عليه
الدعوى….. والمحكمة تترك المشتري بعد ذلك وشأنه من غير أن يكون لحكمها حجية فيما
عساه يوجد من أسباب أخرى". وهذا الذي قالته المحكمة يحوطه الغموض والتخاذل ولا يصلح
أساساً لإقامة الحكم (والوجه الثاني) إذ بنى الطاعن دعواه على مخالفة الدقيق للصنف
المتفق عليه وإصابته بتلف جعله غير صالح للاستهلاك البشري وعلى أن المطعون عليها الأولى
تأخرت في تسليمه وثائق الرسالة إذ لم تسلمه إذن التسليم إلا بعد تفريغ الدقيق ولم ترسل
إليه فاتورة البيع وإنما أرسلتها إلى شركة أخرى لا علاقة له بها كما أنها امتنعت عن
تسليمه وثيقة التأمين وعن تعريفه باسم شركة التأمين وبذلك حالت دون رجوعه عليها، وعلى
الرغم من تمسكه بهذه الاعتبارات الجوهرية فإن المحكمة لم ترد عليها بشيء اكتفاء برجوعها
إلى تواريخ خاصة بصورة الفاتورة وحدها ومواعيد تقديمها إلى بنك باركليز.
ومن حيث إن الوجه الأول غير منتج، إن يبين من الحكم أن العبارة التي اقتبسها منه الطاعن
وجعلها عماد النعي بالقصور ليست من مقوماته ولا تعدو كونها تزيداً استطرد إليه المحكمة
وهي في سبيل التحدث عن السبب الذي بني عليه الطاعن دعواه.
ومن حيث إن الوجه الثاني من هذين السببين مردود بما يبين من الحكم من أنه أقام قضاءه
برفض دعوى الطاعن المؤسسة على إخلال المطعون عليها الأولى بالتزاماتها للاعتبارات السابق
بيانها بناء على أسباب تتحصل في أن الأوراق المقدمة في الدعوى فيها ما يرجح أن الدقيق
شحن سليماً غير مصاب بالتلف الذي وجد به عند تحليله وإن التأخير في تفريغ شحنة السفينة
وفي وصول وثائق الرسالة كان راجعاً على ظروف الحرب، وإن المطعون عليها الأولى بمجرد
علمها بتفريغ الدقيق ولم نأل جهداً في سبيل الحصول على إذن تسليم يحل محل حافظة الشحن
التي تأخرت – وأن هناك عوامل تجمعت ولم يكن للمطعون عليها الأولى دخل فيها حالت دون
وصول الدقيق إلى الطاعن وسبب تأخير البدء في عملية التخليص وأنها سلكت مسلكاً لا يشوبه
التقصير وقامت بواجبها بقد ما سمحت به الظروف – وإنه لا رابطة بين الإهمال الذي نسبه
إليها الطاعن وأخذت به محكمة الدرجة الأولى وبين التلف الذي وجد في الدقيق عند تحليله،
وإنه على فرض هطول أمطار غزيرة أثناء التخزين الدقيق في العراء لدى شركة الاستيداع
وكانت من عوامل زيادة تلفه، فلا يصح أن تسأل عنها المطعون عليها الأولى لأن هكذا كان
نظام التخزين في العراء بحكم الضرورة في ذلك الوقت – وهذا الذي قررته المحكمة هو تحصيل
موضوعي سائغ وفيه الرد الكافي المسقط لحجج الطاعن، كما أنه لا يعيب الحكم خلوه من الرد
على ما أثاره الطاعن من امتناع المطعون عليها الأولى عن تسليمه وثيقة التأمين وتعريفه
باسم شركة التأمين، إذ لا علاقة لهذه المسألة بمسئولية المطعون عليها الأولى عن تلف
الدقيق وهو الموضوع الذي انحصرت فيه الخصومة أمام محكمة الاستئناف.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس ومن ثم يتعين رفضه.
