الطعن رقم 87 سنة 20 قضائية – جلسة 20 /03 /1952
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 3 – صـ 658
جلسة 20 مارس سنة 1952
القضية رقم 87 سنة 20 قضائية
برياسة حضرة صاحب السعادة أحمد حلمي باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات
أصحاب العزة: عبد المعطي خيال بك وسليمان ثابت بك ومحمد نجيب أحمد بك وأحمد العمروسي
بك المستشارين.
( أ ) شفعة. حق الشفعة. جواز الاتفاق على التنازل عنه مقدماً وفقاً للقواعد العامة.
لا مخالفة في هذا الاتفاق للنظام العام.
(ب) حكم. تسبيبه. تنازل من الشفيع عن حق الشفعة. تمسكه بأن هذا التنازل مقصور على البيع
الذي يصدر من الجار المتنازل له وعدم تعديله إلى البيع الصادر من المشتري للغير. عدم
رد الحكم على هذا الدفاع الجوهري. قصور مبطل للحكم.
لما كان الاستشفاع حقاً يخول كسب الملك فإنه يجوز التنازل عنه مقدماً وفقاً للقواعد
العامة ولا يغير من هذا النظر أن محل الالتزام هو حق محتمل الوجود متى كان الملتزم
يعلم مقدماً كنه هذا الحق ومداه وأثر التنازل عنه. وإذن فمتى كان الحكم المطعون فيه
إذ قضى بصحة التنازل عن الشفعة مقدماً بني قضاءه على أن قانون الشفعة الصادر بتاريخ
26 من مارس سنة 1900 والذي تسري أحكامه على موضوع النزاع وإن لم يورد من مسقطاتها إلا
النزول عنها بعد البيع أخذاً برأي بعض أئمة الفقه الإسلامي إلا أنه لم ينص على تحريم
الاتفاق على التنازل عنها مقدماً وأن هذا الاتفاق صحيح لعدم مخالفته للنظام العام وليس
ثمة ما يوجب التقيد برأي فقهاء الشريعة في هذا الخصوص. فإن ما قرره هذا الحكم صحيح
في القانون.
متى كان الطاعن قد تمسك بأن تنازله عن حق الشفعة مقصور على البيع الذي قد يصدر
للغير من جارة المتنازل له والواقع على الأرض المجاورة وبالتالي فإنه لا يتعدى إلى
البيع الصادر للغير من مشتري هذه الأرض ولم يرد الحكم على هذا الدفاع الجوهري فإنه
يكون قاصراً قصوراً يستوجب نقضه.
الوقائع
في يوم 26 من مارس سنة 1950 طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف القاهرة الصادر في 31 من يناير سنة 1950 في الاستئنافين رقمي 992، 1310 سنة 66 ق وذلك بتقرير طلب فيه الطاعنان الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والقضاء أصلياً برفض استئناف المطعون عليه الأول وتأييد الحكم الابتدائي القاضي بقبول دعواهما. واحتياطياً إحالة القضية على محكمة الاستئناف للفصل فيها مجدداً من دائرة أخرى وإلزام المطعون عليه الأول بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة في الحالتين عن جميع الدرجات. وفي 27 و29 من مارس سنة 1950 أعلن المطعون عليهم بتقرير الطعن. وفي 30 منه أودع الطاعنان أصل ورقة إعلان المطعون عليهم بالطعن وصورة مطابقة للأصل من الحكم المطعون فيه ومذكرة بشرح الأسباب وفي 26 من إبريل سنة 1950 أودع المطعون عليه الأول مذكرة بدفاعه مشفوعة بمستنداته طلب فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 4 من مايو سنة 1950 أودعت المطعون عليها الثانية مذكرة بدفاعها مشفوعة بمستنداتها طلبت فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 20 منه أودع الطاعنان مذكرة بالرد. وفي 3 من يونيه سنة 1950 أودع المطعون عليه الأول مذكرة بملاحظاته على الرد. ولم تقدم المطعون عليهما الثالثة والرابعة دفاعاً. وفي 13 من فبراير سنة 1952 وضعت النيابة العامة مذكرتها وقالت فيها بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعنين بالمصروفات. وفي 6 من مارس سنة 1952 سمعت الدعوى على ما هو مبين بمحضر الجلسة حيث صمم محامو الطاعنين والمطعون عليهما الأول والثانية والنيابة العامة على ما جاء بمذكراتهم. والمحكمة أرجأت إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
… من حيث إن واقعة الدعوى حسبما يستفاد من الحكم المطعون فيه
وسائر أوراق الطعن تتحصل في أنه بموجب عقد ابتدائي محرر في 20 من مارس سنة 1939 باعت
شركة مصر الجديدة إلى السيدتين نعمات وزينب (المطعون عليهما الثالثة والرابعة) قطعة
أرض فضاء معدة للبناء مساحتها 522.80 متراً وفي 26 من مارس سنة 1943 باعت السيدتان
القطعة المذكورة إلى المطعون عليه الأول غير أن البيع صدر مباشرة من شركة مصر الجديدة
بعقد مسجل في 3 من إبريل سنة 1944 فطلب الطاعنان أخذ المبيع بالشفعة وأعلنا الدعوى
بها في 15 و20 من إبريل سنة 1944 – فقضت محكمة مصر الابتدائية المختلطة لمصلحة الطاعنين
وبإخراج شركة مصر الجديدة من الدعوى. فاستأنف المطعون عليه الأول هذا الحكم وطلب القضاء
بإلغائه والحكم بعدم اختصاص القضاء المختلط بنظر الدعوى واحتياطياً بعدم قبولها لأنها
على غير أساس، كما استأنفه الطاعنان فيما قضى به من إخراج شركة مصر الجديدة من الدعوى.
وفي أول مارس سنة 1949 قضت محكمة الاستئناف المختلطة بقبول الاستئناف شكلاً وبرفض الدفع
الفرعي الخاص بعدم اختصاص المحاكم المختلطة وباختصاصها بالنظر فيها وحكمت في الاستئناف
المرفوع من الطاعنين بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من إخراج الشركة من الدعوى
وبضرورة وجودها خصماً فيها وقبل الفصل في الموضوع بحضور الخصوم شخصياً لسؤالهم عما
هو لازم لتنوير الدعوى وحددت لذلك جلسة 5 من إبريل سنة 1949. ولما ألغيت المحاكم المختلطة
أحيلت الدعوى بناء على القانون رقم 115 لسنة 1948 على محكمة استئناف القاهرة لاستمرار
النظر فيها بالحالة التي كانت عليها. وفي 31 من يناير سنة 1950 قضت المحكمة بإلغاء
محكمة أول درجة وبرفض دعوى الطاعنين تأسيساً على أن التنازل مقدماً عن حق الشفعة جائزاً
قانوناً واستنتج الحكم تنازل الطاعنين عن هذا الحق من أنهما اشتريا الأرض المشفوع بها
من السيدة بديعة رزق التي اشترتها من شركة مصر الجديدة ونص في عقدها على أنها تقر بقبول
شروط البيع الواردة في القائمة الملحقة بالعقد، ونص في المادة 11 من القائمة المذكورة
على أن المشتري يقر بتنازله عن حق الشفعة فيما يباع من الأراضي المجاورة ونص في البند
12 على أنه ملزم بنقل هذا الالتزام إلى من يتلقى الملك عنه وأن الطاعنين بعد شرائهما
الأرض المشفوع بها حررا خطاباً لمدير عام الشركة في 3 من مايو سنة 1943 تعهدا فيه باحترام
العقد الصادر من الشركة البائعة لهما وقائمة الشروط الملحقة به فطعن الطاعنان في هذا
الحكم بالنقض.
ومن حيث إن الطعن بني على ستة أسباب يتحصل الأول منها في أن الحكم إذ قرر أن التنازل
عن حق الشفعة قبل البيع صحيح وملزم لمن التزم به. خالف المادة 19 من دكريتو الشفعة
الصادر في سنة 1901 وهو الذي تسري أحكامه على موضوع النزاع كما خالف ما استقرت عليه
أراء الفقهاء وأحكام القضاء من أن التنازل عن الشفعة قبل وجود البيع لا يسقط الحق فيها
وتصح الشفعة للشفيع بعد حصول البيع رغم التنازل السابق عنها. بل إن الحكم في مناقشته
لهذا الدفاع تناقض في أسبابه تناقضاً يعيبه ذلك أنه بالرغم من تقريره أن التنازل الحاصل
قبل البيع لم يجعله قانون الشفعة من مسقطاتها وأن الشارع جاري في هذا الخصوص رأي فقهاء
الشريعة الإسلامية عاد فقرر أن هذا التنازل وإن لم يكن متفقاً مع أصول الشريعة الإسلامية
ولا هو مأخوذ عن قانون الشفعة الصادر في سنة 1901 إلا أنه ليس محرماً في هذا القانون
الأخير كما أنه يتفق مع قواعد القانون المدني العامة. وأنه حتى مع التسليم جدلاً بجواز
التنازل مقدماً عن حق الشفعة فإنه لا يصح إلا عن بيع معين ولشخص معين وفقاً لقاعدة
وجوب العلم بمدى التعهد قبل الارتباط به فيجب أن يعلم الجار باسم جاره المستقبل وبشروط
البيع لكي يكون تنازله عن الشفعة صحيحاً وهو الأمر الذي لم يتوافر في الدعوى الحالية.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قال في هذا الخصوص: "إن قانون الشفعة الصادر بتاريخ 26
من مارس سنة 1900 وهو القانون الذي ولد في ظله هذا النزاع نص في المادة التاسعة عشرة
منه على سقوط حق الشفعة إذا حصل التنازل عنه صراحة أو ضمناً ويستدل على التنازل الضمني
بكل عمل أو عقد يؤخذ منه أن الشفيع عرف المشتري بصفة مالك العقار نهائياً وهو نص واضح
في أن التنازل المقصود هو التنازل بعد حصول البيع أما التنازل الحاصل قبل البيع فلم
يجعله القانون المذكور من مسقطات الشفعة وقد أخذ الشارع في هذا بما أخذ به فقهاء الشريعة
إذ يرون أن إسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب وجوبه محال، وجرت أحكام المحاكم الوطنية
جميعاً باطراد على تأييد هذه النظرية منذ سنة 1883 حتى سنة 1947.. وكذلك جرت عليه المحاكم
المختلطة أولاً إلا أنها عدلت عن رأيها واستقرت أحكامها أخيراً على إعمال التنازل السابق
على البيع" ثم قال "أما القانون المدني الجديد فقد وضع نصاً صريحاً في المادة 948 إذ
جعل من مسقطات حق الشفعة التنازل عن هذا الحق صراحة أو ضمناً ولو قبل البيع. ومن حيث
إنه من القواعد القانونية العامة جواز التنازل عن حق محتمل الوجود ما دام هذا الحق
معروفاً لصاحبه وما دام يستطيع تقدير مدى هذا الحق وأثر التنازل عنه فليس في هذا التنازل
مخالفة للنظام العام ولا مجافاة لحكم القانون وظاهر أن شرط التنازل عن حق الشفعة قد
جرى العمل على تدوينه في العقود كعقود شركة مصر الجديدة. واستقر التعامل عليه وأجازته
المحاكم المختلطة التي كان المتعاملون مع الشركة يحتكمون إليها وهو وإن لم يكن متفقاً
مع أصول الشريعة الإسلامية ولا هو مأخوذ عن نفس قانون الشفعة الصادر في سنة 1901 إلا
أنه ليس محرماً في هذا القانون الأخير كما أنه يتفق مع قواعد القانون المدني العامة
إذ من المحقق أن التنازل عن الحق المستقبل جائزاً وصاحب الملك يستطيع أن يقدر مدى ما
يعود عليه من ضرر بهذا التنازل قبل أن يصدر منه وقد جعله القانون الجديد من مسقطات
الشفعة. ومن حيث إنه إزاء ما تقدم ترى هذه المحكمة أن التنازل عن حق الشفعة قبل البيع
صحيح وملزم لمن التزم به". وهذا الذي قرره الحكم صحيح في القانون ذلك أنه لما كان الاستشفاع
حقاً يخول كسب الملك كان صحيحاً ما قرره الحكم من جواز التنازل عنه مقدماً وفقاً للقواعد
العامة ولا يغير من هذا النظر أن محل الالتزام هو حق محتمل الوجود متى كان الملتزم
يعلم مقدماً كنه هذا الحق ومداه وأثر التنازل عنه، أما ما يعيبه الطاعنان على الحكم
من تناقض فمردود بأن الحكم خلو من هذا العيب إذ بني قضاءه على أن قانون الشفعة وإن
لم يورد من مسقطاتها إلا النزول عنها بعد البيع أخذاً برأي بعض أئمة الفقه الإسلامي
إلا أنه لم ينص على تحريم الاتفاق على التنازل عنها مقدماً فيخضع هذا الاتفاق لحكم
القواعد العامة وهو صحيح لعدم مخالفته للنظام العام وليس ثمة ما يوجب التقيد برأي فقهاء
الشريعة في هذا الخصوص.
ومن حيث إن مبنى السبب الثاني هو أن الحكم عاره بطلان جوهري للقصور في التسبيب ذلك
أن الطاعنين تمسكا لدى محكمة الاستئناف بأن البند الحادي عشر من قائمة الشروط الملحقة
بعقود بيع الشركة مصر الجديدة ينص على "أن يتنازل المشتري تنازلاً صريحاً عن استعمال
حق الشفعة على قطع الأراضي المجاورة لأرضه الخاصة بهذه القائمة وذلك عند بيعها من الشركة
للغير"، ومؤدى هذا النص هو أن الالتزام بالتنازل عن استعمال حق الشفعة على القطع المجاورة
لأرض المشتري بفرض أنه صحيح في القانون فإنه إنما ينصب على البيوع التي تجريها الشركة
حقيقة للغير وأن الشركة ولو أنها هي التي وقعت مع المطعون عليه الأول على عقد البيع
الرسمي الذي سجل وظهرت فيه بمظهر البائع الواجب اختصامه في دعوى الشفعة إلا أنه نظراً
لسابقة بيعها نفس الأرض المشفوع فيها إلى السيدتين نعمات وزينب عفت (المطعون عليهما
الأخيرتين) وعدم انفساخ هذا البيع ثم قيام هاتين السيدتين ببيع ما اشترتاه إلى المطعون
عليه الأول فإن التنازل عن استعمال حق الشفعة إنما يكون على أوسع الفروض قد استنفد
الغرض منه وأصبح غير ذي موضوع لأن الشركة ليست هي البائعة الحقيقية للخواجة استامبولي
والتزام التنازل لا يمكن التذرع به على ما سلف بيانه إلا فيما تبيعه الشركة فعلاً وأنه
لما كان البيع أساس الدعوى هو صادر للمطعون عليه الأول من المشتريتين من الشركة عن
قطعة الأرض المشفوع فيها فإن الشرط لا يمكن أن يسري في هذه الحالة التي صورت فيها الشركة
بائعة في العقد كأداة لنقل ملكية الأرض لبقائها على ملكها بسبب عدم تسجيل عقد البيع
السابق صدوره منها للمطعون عليهما الأخيرتين وأن الحكم إذ لم يرد على هذا الدفاع الجوهري
يكون قد شابه قصور يبطله.
ومن حيث إن هذا النعي في محله ذلك أنه يبين من أوراق الطعن أن الطاعنتين تمسكا بالدفاع
السابق بيانه لدى محكمة الموضوع وأن الحكم المطعون فيه أغفل الرد عليه، أما قول المطعون
عليه الأول تبريراً لهذا الإغفال أن الحكم لم يكن في حاجة إلى الرد عليه بعد أن قطع
الحكم أول مارس سنة 1949 في أن الشركة هي البائعة وقد حاز هذا الحكم قوة الأمر المقضي
– هذا القول مردود بأنه دفاع لم تتناوله محكمة الموضوع بالبحث والتمحيص فلا يجوز إثارته
لدى هذه المحكمة لقيامه على عناصر موضوعية وهي بحث ما إذا كانت المحكمة المختلطة بحكمها
المشار إليه قد بتت في دفاع الطاعنين بأن الشركة رغم ظهورها كبائعة في عقد البيع المسجل
الصادر للمطعون عليه الأول إنما اتخذ اسمها في العقد أداة لنقل الملكية بسبب أن ملكية
الأرض المشفوع فيها كانت لا تزال باقية لها لعدم تسجيل عقد شراء السيدتين المطعون عليهما
الأخيرتين منها – وهل عرض هذا الدفاع على المحكمة المختلطة قبل إصدار حكمها المشار
إليه – ولما كان هذا الدفاع جوهرياً إذ لو صح لتغير به وجه الفصل في الدعوى فإنه كان
يتعين على محكمة الموضوع أن ترد عليه وتقول كلمتها فيه – وإذ هي لم تفعل فإن حكمها
تكون مشوباً بالقصور ويعين نقضه بغير حاجة إلى بحث بقية أسباب الطعن.
