الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 58 لسنة 2 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ الإدارية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثالث (من أول يونيه سنة 1960 إلى آخر سبتمبر سنة 1960) – صـ 1304


جلسة 21 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس المجلس وعضوية السادة علي بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل ومحمود محمد إبراهيم وحسني جورجي المستشارين.

القضية رقم 58 لسنة 2 القضائية (ش)

( أ ) مهنة – ترخيص – طب الأسنان – المرسوم رقم 2137 الصادر عن المفوض السامي في 16/ 11/ 1923 بتنظيم ممارسة طب الأسنان – إجازته استثناء لغير أصحاب الشهادات مزاولة المهنة بشروط معينة، منها أداء الامتحان وحمل لقب متمرن في طب الأسنان Dentiste – قصره لقب طبيب وجراح الأسنان على حاملي الشهادات المدرسية – تسجيل شخصي في عداد أطباء الأسنان وترخيصه في ممارسة المهنة بدون أن يكون مزوداً بأحد المؤهلين السابقين لا يكسبه حقاً ولا ينشئ له مركزاً قانونياً مهما طال الزمن لانعدام قرار التسجيل والترخيص – أساس ذلك.
(ب) طب الأسنان – المرسوم التشريعي رقم 154 لسنة 1949 الذي أعاد تنظيم ممارسة الطب في سورية – حصره تعاطي مهنة طب الأسنان في أطباء وجراحي الأسنان الذين يحملون شهادة ولقب دكتور – استلزام هذا المرسوم تجديد تسجيل المسجلين سابقاً – إعادة التسجيل طبقاً له لمن كان مسجلاً خطأ دون توافر شرط الشهادة – أمر ينطوي على مخالفة جسيمة للقانون تجرده من طابع القرارات الإدارية وتجعل منه مجرد عمل مادي – وجود نص لاحق بالمرسوم التشريعي رقم 96 وتاريخ 22/ 9/ 1952 يقضي بأن كل تسجيل أو ترخيص جرى وفقاً للأحكام القانونية النافذة قبل صدوره يعتبر مرعي الإجراء – لا يطهر عيوب عدم الشرعية التي تشوب التسجيل أو الترخيص السابق – المقصود بهذا النص احترام التسجيل أو الترخيص الذي تم وفاقاً لأحكام التشريع السابق – حكم التسجيل بناء على وثائق مزورة المنصوص عليه في المادة السادسة من المرسوم التشريعي رقم 96 لسنة 1952 – يفترق عن حكم التسجيل المفتقر إلى المؤهل العلمي – أساس ذلك.
1 – قبل صدور المرسوم التشريعي رقم 154 بتاريخ 24/ 6/ 1949 المتضمن شروط مزاولة الطب كانت ممارسة طب الأسنان في أراضي دول سوريا ولبنان تنظمها أحكام المرسوم رقم 2137 الصادر عن المفوض السامي بتاريخ 16/ 11/ 1923 الذي ناط معاطاة هذه الطبابة بحيازة الشهادات العلمية التي عينها، وبصورة استثنائية أجاز لغير أصحاب الشهادات ممن يكون قد مضى على معاطاتهم هذا الفن خمس سنوات متوالية قبل نشره دون أن يكونوا غيروا خلالها إقامتهم أن يتقدموا للامتحان الاختباري الإجمالي أمام لجنة محلفة، نصت المادة الخامسة منه على تعيينها بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره ومن يفز في هذا الامتحان يسمح له بمزاولة هذا الفن ويحمل لقب متمرن في طب الأسنان dentiste، أما لقب طبيب وجراح الأسنان فلا يمنح إلا لحاملي الشهادات المدرسية وعلى هؤلاء المتمرنين أن يكتبوا لقبهم بصورة جلية وبأحرف مقروءة على لوحاتهم وأوراقهم التجارية، وهم ممنوعون من استعمال البنج بغير مساعدة دكتور في الطب أو طبيب وجراح أسنان ويدخل اسم متمرن في لائحة إحصاء الأطباء التي تعرض على المفوض السامي لتصديقها ثم تعلن على جميع دوائر الحكومة ويعطى الفائز في الامتحان تصريحاً بمعاطاة الفن يقدمه للتسجيل في إدارة الصحة والإسعاف العام في الدولة التي يتعاطى فنه في أراضيها (المواد 5 – 8). وظاهر من هذه الأحكام أن مزاولة طب الأسنان لم يكن مسموحاً بها لغير المزودين بأحد المؤهلين: الشهادة المدرسية التي تمنح حاملها لقب طبيب وجراح الأسنان أو بتصريح النجاح في الفحص الاختباري الإجمالي الذي يهب لقب متمرن في طب الأسنان، ولا ريب أنه إذا ما سجل شخص في عداد أطباء الأسنان ورخص بممارسة المهنة من غير ما مؤهل فإن هذا التسجيل والترخيص لا يكسبه حقاً ولا ينشئ له مركزاً قانونياً مهما طال الزمن، لأن مثل هذا التصرف الذي يبدو بصورة فاضحة عدم تجاوبه مع أي قانون أو لائحة إنما يبلغ عيب عدم الشرعية فيه حداً ينحدر به إلى درجة العدم، هذا فضلاً عن أن القرارات الإدارية التي لا تنبثق من تقدير الإدارة عن مجرد تثبتها وتحققها من أن ذوي الشأن تتوافر فيهم الشرائط المطلوبة لإنتاج نتائج معينة وحتمية – هذه القرارات التي يدخل في زمرتها تسجيل وترخيص الأطباء يمكن سحبها في كل حين متى ظهر أنها صدرت خلافاً لشرائطها أو استحال تغطية عيب الشكل فيها.
2 – يبين من استظهار أحكام المرسوم التشريعي رقم 154 بتاريخ 24/ 6/ 1949 الذي أعاد تنظيم ممارسة الطب في سورية أنه قد حصر حق تعاطي مهنة طب الأسنان في أطباء وجراحي الأسنان الذين يحملون شهادة ولقب دكتور من كلية الطب في الجامعة السورية أو كلية طب أجنبية عودلت شهادتها بالشهادة السورية واجتاز حاملها الفحص الإجمالي. ولئن كان هذا المرسوم قد أوجب تجديد التسجيل للمسجلين سابقاً فهو لم يعفهم من شرط الشهادة وإنما أعفاهم من شرط المعادلة والفحص الإجمالي وحسب، كما يستفاد من أحكام المواد 28 و2 و48. فإذا كان الثابت أن المدعي قد سجل في وزارة الصحة بالاستناد إلى أحكام المرسوم رقم 154 لسنة 1949 دون أن يكون حائزاً المؤهل وذلك نتيجة لاعتماد الإدارة الخاطئ على ما جاء في بعض المكاتبات من أنه كان مسجلاً من قبل مما أهاب بالأمين العام لوزارة الصحة إلى السماح له بالمداومة على عمله، بينما لو رجعت الوزارة إلى القيود الرسمية لما وجدت للمدعي سوى إضبارة كل ما حوته هو شهادات بعض المخاتير بمزاولته المهنة في قراهم. ولما كان الأمر كذلك فإن تسجيل المدعي المجدد وترخيصه بتعاطي المهنة، إنما ينطوي على مخالفة جسيمة للقانون تجرده من طابع القرارات الإدارية، وتجعل منه مجرد عمل مادي لا يترتب عليه أثر قانوني، هذا إلى أن المرسوم التشريعي رقم 96 وتاريخ 22/ 9/ 1952 الذي حل محل المرسوم التشريعي المشار إليه فقد أبقى على شرط الشهادة الجامعية (المادة 20). ولا وجه للقول بأن هذا المرسوم إذ ينص في المادة 38 على أن "كل تسجيل أو ترخيص جرى وفقاً للأحكام القانونية النافذة قبل صدور هذا المرسوم التشريعي يعتبر مرعى الإجراء" يكون قد طهر عيوب عدم الشرعية التي قد يبدو التسجيل والترخيص السابق مشوباً بها، لا وجه لذلك طالما أن هذا النص قد أوجب احترام التسجيل والترخيص الذي تم وفاقاً لأحكام التشريع السابق، فيخرج عن ذلك التسجيل والترخيص الذي يكون قد أجرى خلافاً للشرائط الواردة في ذلك التشريع ولم يغط عيب الشكل فيه، وليس يعقل أن يجنح المشرع إلى تحقيق التسجيلات غير القانونية على أساس حماية الحقوق المكتسبة أو صون المراكز القانونية الذاتية، ذلك أن أصحاب هذه التسجيلات لم تنشأ لهم في الأصل أيه حقوق أو مراكز قانونية يمكن الاحتجاج بها كما هو شأن المدعي الذي كان تسجيله باطلاً منعدم الأثر، وأنه لا غناء في التمسك بنص المادة 6 من المرسوم رقم 96 الملمع إليه القائلة "إذا ظهر بأن تسجيل الطبيب في سجل الأطباء تم بالاستناد إلى وثائق مزورة جاز لوزير الصحة والإسعاف العام شطب اسم هذا الطبيب مؤقتاً من سجل الأطباء وذلك بعد إقامة دعوى الحق العام عليه بجرم التزوير ويستمر مفعول هذا الشطب ريثما يصدر القضاء حكمه في القضية بقرار مكتسب قوة القضية المقضية" إذ أن هذه المادة قد عالجت حالة واحدة فقط هي حالة التسجيل بناء على وثائق مزورة، والمفروض في مدلول هذه المادة أن تكون جميع الوثائق قد قدمت ثم ظهر منها ما هو مزور، وفي الدعوة الحاضرة لسنا في معرض وثيقة مشوبة بالتزوير بل بصدد وثيقة ليس لها وجود ما دام هذا الشخص يفتقر إلى المؤهل العلمي.


إجراءات الطعن

بتاريخ 22 من آيار (مايو) سنة 1960 أودع الدكتور محمد الفاضل المحامي والوكيل عن السيد عبد النور زازا صحيفة طعن في الحكم بجلسة 24 آذار (مارس) سنة 1960 من محكمة القضاء الإداري بدمشق في القضية رقم 128 لسنة 2 ق المرفوعة من موكله ضد وزارتي الصحة والخزانة بدمشق والقاضي برفض الدعوى. ويطلب الطاعن للأسباب الواردة في صحيفة طعنه الحكم بقبول الطعن شكلاً وموضوعاً وفسخ الحكم المطعون فيه وإبطاله وإلزام الجهة المدعى عليها بدفع التعويضات التي تقدرها المحكمة عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالطاعن من جراء حرمانه من مورد عيشه وهو ممارسة مهنة طب الأسنان وإعادة ما أسلفه الطاعن من رسوم وتأمينات احتياطية وإبلاغ فرقاء الدعوى القرار الذي سيصدر في صددها.
عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 29 آب (أغسطس) سنة 1960، وأحيل إلى المحكمة الإدارية العليا لجلسة 6 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960، وبعد سماع ما رؤى لزوماً لسماعه من إيضاحات أرجئ النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع ما رؤى لزوماً لسماعه من إيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن الطاعن عبد النور زازا رفع هذه الدعوى بصحيفة قال فيها أنه كان مرخصاً له بمزاولة مهنة طب الأسنان في حكومة جبل العلويين (المستقلة سابقاً) ومسجلاً في دوائرها الصحية الرسمية كطبيب أسنان، وفقاً لشروط ممارسة هذه المهنة وأنظمتها النافذة حينذاك، وذلك منذ ما يقرب من عشرين عاماً، وظل المدعي يمارس هذه المهنة ويزاولها، حتى انضمت هذه المنطقة إلى الدولة السورية، واستمر على ذلك أيضاً بعد الانضمام، وبعد أن أصبحت محافظة اللاذقية جزءاً من الدولة السورية، ووافقت وزارة الصحة بعد الوحدة السورية على الترخيص للمدعي ولأمثاله من زملائه في محافظة اللاذقية بممارسة مهنة طب الأسنان بموجب الكتاب الموجه من أمين عام وزارة الصحة إلى محافظة اللاذقية برقم 1497/ 3 وتاريخ 5 من نيسان (إبريل) سنة 1948، والمبلغ إلى المدعي من مديرية صحة اللاذقية بتاريخ 12 من نيسان (إبريل) سنة 1948، ثم صدر المرسوم التشريعي السوري ذو الرقم 154 المؤرخ 23 من حزيران (يونيه) سنة 1949، والمتعلق بمزاولة المهن الطبية في سورية، وقضى في المادة 46 منه على كل طبيب وطبيبة وجراح أسنان أن يطلب تسجيله في خلال مدة ثلاثة أشهر من تاريخ نشر المرسوم التشريعي المذكور في الجريدة الرسمية، فتقدم المدعي في خلال الميعاد المحدد إلى وزارة الصحة طالباً تجديد تسجيله بموجب استدعاء رسمي مؤرخ 26 أيلول (سبتمبر) سنة 1949 ومذيل بمشروحات رسمية صادرة عن مدير صحة اللاذقية، تؤيد أن المدعي مسجل في مديرية صحة اللاذقية، وأنه يزاول مهنته الطبية حين صدور المرسوم التشريعي المشار إليه، وبناء على ذلك قررت وزارة الصحة السورية تسجيل المدعي لديها بتاريخ 17 من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1949 تحت رقم 47 بعد أن أدى رسم التسجيل، وذلك وفقاً لأحكام المادة 46 من قانون مزاولة المهن الطبية السالف ذكره. واستمر المدعي على مزاولة مهنته الطبية إلى أن صدر المرسوم التشريعي ذو الرقم 96 المؤرخ 22 من أيلول (سبتمبر) سنة 1952، فحلت أحكامه محل أحكام المرسوم التشريعي ذو الرقم 154، وقضت المادة 38 من المرسوم التشريعي 96 بأن كل تسجيل أو ترخيص جرى وفقاً للأحكام القانونية النافذة قبل صدوره يبقى مرعي الإجراء. كما قضت المادة السادسة منه على أنه لا يجوز لوزير الصحة شطب التسجيل إلا إذا كان قد وقع بالاستناد إلى وثائق مزورة شريطة أن تقام الدعوى العامة بجرم التزوير. ثم تقدم مفتش الدولة إلى وزارة الصحة بتقرير مؤرخ 8 من حزيران (يونيه) 1955 طلب فيه منع المدعي ومنع سبعة من زملائه أطباء الأسنان في محافظة اللاذقية من مزاولة المهنة، كما طلب شطب أسمائهم بحجة عدم حيازتهم الشهادة العلمية، ولكن وزارة الصحة بعد أن درست أوضاع المدعي وزملائه السبعة على ضوء تقرير مفتش الدولة، وبعد موافقة جميع نقابات أطباء الأسنان في سورية، لم تشأ أن تهدر حقوق المدعي وزملائه المكتسبة، بل سمحت وزارة الصحة للمدعي وزملائه بالاستمرار على مزاولة مهنة طب الأسنان وذلك بموجب الكتاب الوزاري الصادر عن السيد وزير الصحة والإسعاف العام بتاريخ 11 من آب (أغسطس) سنة 1955 برقم 6699/ 3/ 2، وقد بدلت وزارة الصحة رأيها بعد الترخيص والسماح، فأوعزت بشطب اسم المدعي وأسماء زملائه السبعة من محافظة اللاذقية، وقد طلب هؤلاء الزملاء السبعة إبطال القرار الوزاري القاضي بشطب أسمائهم لمخالفته القانون، فأصدرت المحكمة العليا سبعة قرارات قضت فيها بعدم مشروعية القرار المذكور، وأنه يمس المركز القانوني المكتسب لكل منهم، وقد أبطل قرار منع الأطباء السبعة وأعيد تسجيلهم وعادوا جميعاً لمزاولة المهنة، ولم يبق خارج العمل سوى المدعي، وعندما عرضت قضيته على المحكمة العليا وهى مماثلة تماماً لقضايا زملائه السبعة، ردتها المحكمة شكلاً لفوات المدة المضروبة لتقديم الدعوى، ولم يتح للمحكمة العليا أن تبحث في أساس الموضوع. وقد تقدم المدعي إلى وزارة الصحة بعريضة مؤرخة 30 أيار (مايو) سنة 1959 طالباً أن تؤدي إليه تعويضاً قدره مائة ألف ليرة سورية عن الأضرار التي لحقت به من جراء قرار الوزارة القاضي بمنعه عن مزاولة مهنته الطبية، وهي مورد عيشه الوحيد لاسيما وإن رد دعواه شكلاً لا يمنع من التعويض عليه عن الأضرار الناشئة عن تدبير وزاري خاطئ، قررت المحكمة العليا عدم مشروعيته وبطلانه، ولكن الوزارة قررت عدم تلبية طلب التعويض عن هذه الأضرار بحجة أنها غير مسئولة عن ذلك، وانتهى المدعي في دعواه إلى طلب الحكم على المدعي عليها بإلزامها بدفع التعويضات التي تقدرها المحكمة له عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالمدعي من جراء عمل الجهة المدعى عليها غير المشروع القاضي بمنعه من ممارسة مهنة الطب وشطب اسمه من سجلات الوزارة المتعلقة بأطباء الأسنان، ورفض إعطائه أي تعويض عن ذلك، وإعادة ما أسلفه المدعي من رسوم وتأمينات احتياطية وإبلاغ الفريقين القرار الذي سيصدر وينعي المدعي على القرار القاضي بشطب اسمه مخالفته للقانون، إذ أن المادة 38 من المرسوم التشريعي ذي الرقم 96 المؤرخ 22 من أيلول (سبتمبر) سنة 1952 تنص على أن كل تسجيل أو ترخيص جرى وفقاً للأحكام القانونية النافذة قبل صدور هذا المرسوم التشريعي تبقى معتبرة، ولما كان المدعي قد تم تسجيله في وزارة الصحة بتاريخ 17 من كانون الثاني (يناير) سنة 1949 تحت رقم 47 في ظل أحكام المرسوم التشريعي ذي الرقم 154 المؤرخ 23 حزيران (يونيه) سنة 1949 المتعلق بمزاولة المهن الطبية، ووفقاً لما اشترطته المادة 46 منه، لأن وزارة الصحة كانت قد رخصت للمدعي بممارسة طب الأسنان، بموجب كتابها رقم 1497/ 3 المؤرخ 5 من نيسان (إبريل) سنة 1948، كما كان المدعي مسجلاً في مديرية صحة اللاذقية وكان يمارس عمله في سورية حين صدور المرسوم التشريعي رقم 154، ولما كانت المادة السادسة تقضي بأنه لا يجوز لوزير الصحة شطب تسجيل طبيب أياً كان، ما لم يكن هذا التسجيل قد تم بالاستناد إلى وثائق مزورة، وما لم تحرك الدعوى العامة بجرم التزوير، ويكون القرار الصادر بشطب اسمه مخالفاً للقانون، قضت المحكمة العليا نفسها بمخالفته للقانون وإبطاله في قراراتها السبعة الخاصة بزملائه.
وقد أجابت الجهة الإدارية على الدعوى بمذكرة مؤرخة 9 من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1959، قالت فيها أن قرار وزارة الصحة الأول القاضي بشطب اسم المدعي من لائحة متعاطي مهنة طب الأسنان كان عرضة للطعن أمام المحكمة العليا في مهلة معينة في قانون تلك المحكمة، فإذا لم يقدم الطعن ضمن هذه المهلة يصبح قرار وزارة الصحة قطعياً، ويكتسب الصفة الشرعية، وقد تقدم المدعي بطعنه أمام المحكمة العليا بعد انقضاء المهلة القانونية فردتها المحكمة، وكذلك كانت نتيجة دعواه (إعادة المحاكمة) وعلى ذلك فلا يجوز له المطالبة بالتعويض، بعد أن أصبح قرار شطب اسمه قطعياً ومشروعاً، لأنه لم يطعن فيه في المهلة المحددة للطعن. وفي الموضوع قال الدفاع عن الجهة الإدارية أنه عندما ألحقت محافظة اللاذقية التي كانت تتمتع باستقلال مالي وإداري بالجمهورية السورية سابقاً، طلبت وزارة الصحة من مديرية صحة اللاذقية تكليف أطباء الأسنان والصيادلة بتقديم طلب لتجديد تسجيلهم وفقاً للمادة 46 من المرسوم التشريعي رقم 154 تاريخ 23 حزيران (يونيه) سنة 1949، المتضمن نظام مزاولة المهن الطبية. وقد جرى تسجيل الذين يزاولون مهنة طب الأسنان في محافظة اللاذقية تسجيلاً مبدئياً على هذا الأساس استناداً إلى المادتين 46 و47 من المرسوم التشريعي رقم 154 الآنف الذكر، وكان هذا التسجيل مبنياً على جواب مديرية صحة اللاذقية المرفق بقائمة تضمنت أسماء أطباء الأسنان المسجلين الذين يزاولون المهنة في محافظة اللاذقية عند صدور المرسوم المذكور، ومنهم المدعي، ولكن وزارة الصحة لم تمنح المدعي ترخيصاً رسمياً بمزاولة مهنة طب الأسنان. وقام مفتش الدولة بجولة تفتيشية في محافظة اللاذقية وبحث في توافر الشروط القانونية بأطباء الأسنان الذين يزاولون المهنة في تلك المحافظة ومنهم المدعي، ونظم بنتيجة تفتيشه تقريراً مؤرخاً 8 من حزيران (يونيه) سنة 1955، طلب فيه من الجهة المدعى عليها منع المدعي من مزاولة مهنة طب الأسنان لعدم توافر الشروط القانونية لديه، واستطردت الجهة المدعى عليها بعد ذلك في مذكرتها إلى القول بأن أول تشريع نظم مزاولة مهنة طب الأسنان في سوريا بما فيها دولة العلويين هو القرار الصادر عن المفوض السامي برقم 2137 تاريخ 16 من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1923، وقد أوجب هذا القرار على كل من يزاول مهنة طب الأسنان ولا يحمل الشهادة العلمية وتتوافر فيه بعض الشروط أن يتقدم لفحص ينجح فيه ويعطي بنتيجته أجازة من المفوضية بمزاولة المهنة، وعلى أن يسجل هذه الأجازة في مديرية الصحة العامة في الدولة التي يمارس فيها عمله، وهي بالنسبة للمدعي مديرية صحة اللاذقية، وعند إلحاق محافظة اللاذقية بالجمهورية السورية، أرسلت مديرية صحة اللاذقية أسماء الذين يمارسون مهنة طب الأسنان بدون أن تتثبت من وجود أجازات من المفوضية العليا، وكون هذه الأجازات مسجلة لديها. ولم يستطع المدعي إثبات أنه يحمل شهادة علمية أو ترخيصاً رسمياً يخوله ممارسة مهنة طب الأسنان، وكل ما وجد في إضبارته هو بضعة شهادات من بعض مخاتير القرى يشهدون له بها أنه زاول مهنة طب الأسنان في قريتهم. ولقد نظم القرار رقم 2137 تاريخ 16 من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1923 مهنة طب الأسنان في سوريا ولبنان، ومنها منطقة اللاذقية التي لم يرد أي نص خاص بها، وقد أوضح القرار المذكور كيفية منح الأشخاص الذين يمارسون مهنة طب الأسنان بدون شهادة علمية أجازة من المفوضية، ولم يمنح هذه السلطة لأية هيئة إدارية أخرى. وبتاريخ 23 من حزيران (يونيه) سنة 1949 صدر المرسوم التشريعي رقم 154 ونظم ممارسة مهنة طب الأسنان وحصرها بأصحاب الشهادات العلمية المقبولة، وحفظ لمن كانوا مرخصين ترخيصاً رسمياً سابقاً بحقهم بممارسة المهنة، ثم قالت الحكومة بعد ذلك: أنه وقد اتضح أن المدعي لم يكن حائزاً على الشروط القانونية لممارسة مهنة طب الأسنان لا قبل صدور المرسوم التشريعي رقم 154 تاريخ 23 من حزيران (يونيه) سنة 1949 ولا بعده، وأن تسجيله تسجيلاً مبدئياً من قبل وزارة الصحة لا يكسبه حق مزاولة المهنة طالما لم يمنح بذلك ترخيصاً رسمياً أصولياً، ولا عبرة للتسجيل المبدئي والمخابرات العادية في هذا الموضوع، فإنه بذلك يكون عمل الحكومة مطابق للقانون ولا محل للتعويض عنه وطلبت رد الدعوى.
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري بدمشق أصدرت في 24 من آذار (مارس) سنة 1960 حكمها المطعون فيه برفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات، وأقامت قضاءها على أن المدعي يطلب تعويضاً عن منعه من مزاولة مهنة طب الأسنان، مما يدخل في ولاية القضاء الكامل للمحكمة ولا تتقيد بميعاد الطعن بالإلغاء، وبالنسبة للموضوع أقامت قضاءها على أنه "قبل صدور المرسوم التشريعي رقم 154 بتاريخ 24 من حزيران (يونيه) سنة 1949 المتضمن شروط مزاولة الطب، كانت ممارسة طب الأسنان في أراضي دول سوريا ولبنان تنظمها أحكام المرسوم رقم 2137 الصادر عن المفوض السامي بتاريخ 16 من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1923، الذي ناط معاطاة هذه الطبابة بحيازة الشهادات العلمية التي عينها وبصورة استثنائية أجار لغير أصحاب الشهادات ممن يكون قد مضى على معاطاتهم هذا الفن خمس سنوات متوالية، قبل نشره دون أن يكونوا غيروا خلالها إقامتهم أن يتقدموا للامتحان الاختباري الإجمالي أمام لجنة محلفة نصت المادة الخامسة منه على تعيينها بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره، ومن يفز في هذا الامتحان يسمح له بمزاولة هذا الفن ويحمل لقب متمرن في طب الأسنان Dentiste، أما لقب طبيب وجراح الأسنان فلا يمنح إلا لحاملي الشهادات المدرسية، وعلى هؤلاء المتمرنين أن يكتبوا لقبهم بصورة جلية وبأحرف مقروءة على لوحاتهم وأوراقهم التجارية، وهم ممنوعون من استعمال البنج بغير مساعدة دكتور في الطب أو طبيب وجراح أسنان، ويدخل اسم المتمرن في لائحة إحصاء الأطباء التي تعرض على المفوض السامي لتصديقها، ثم تعلن على جميع دوائر الحكومة، ويعطى الفائز في الامتحان تصريحاً بمعاطاة الفن يقدمه للتسجيل في إدارة الصحة والإسعاف العام في الدولة التي يتعاطى فنه في أراضيها (المواد 5 – 8)، وظاهر من هذه الأحكام أن مزاولة طب الأسنان لم يكن مسموحاً بها لغير المزودين بأحد المؤهلين: الشهادة المدرسية التي تمنح حاملها لقب طبيب وجراح الأسنان أو بتصريح النجاح في الفحص الاختباري الإجمالي الذي يهب لقب متمرن في طب الأسنان، ولا ريب أنه إذا ما سجل شخص في عداد أطباء الأسنان ورخص بممارسة المهنة من غير ما مؤهل، فإن هذا التسجيل والترخيص لا يكسبه حقاً ولا ينشئ له مركزاً قانونياً مهما طال الزمن، لأن مثل هذا التصرف الذي يبدو بصورة فاضحة عدم تجاوبه مع أي قانون أو لائحة إنما يبلغ عيب عدم الشرعية فيه حداً ينحدر به إلى درجة العدم، هذا فضلاً عن أن القرارات الإدارية التي لا تنبثق من تقدير الإدارة عن مجرد تثبتها وتحققها من أن ذوي الشأن تتوافر فيهم الشرائط المطلوبة لإنتاج نتائج معينة وحتمية. هذه القرارات التي يدخل في زمرتها تسجيل وترخيص الأطباء يمكن سحبها في كل حين متى ظهر أنها صدرت خلافاً لشرائطها أو استحال تغطية عيب الشكل فيها. وتأسيساً على ذلك فإن المدعي الذي كان يمارس مهنة طب الأسنان في محافظة اللاذقية (دولة العلويين المستقلة إدارياً ومالياً آنذاك) من دون مؤهل الشهادة المدرسية أو تصريح النجاح في الاختبار لا يجوز اعتباره قد اكتسب أي حق في ممارسة المهنة لا فرق في ذلك بين أن يكون مسجلاً ومرخصاً في ذلك الوقت أو أن يكون كما جاء في تقرير مفتش الدولة المؤرخ 8 حزيران (يونيه) سنة 1955 لا يحمل ترخيصاً ولا تحوي إضبارته غير شهادات بعض المخاتير بمزاولة المهنة في قراهم، وأنه مهما يكن وضع المدعي في محافظة اللاذقية من قبل، فإنه يبين من استظهار أحكام المرسوم التشريعي رقم 154 الذي أعاد تنظيم ممارسة الطب في سورية أنه قد حصر حق تعاطي مهنة طب الأسنان في أطباء وجراحي الأسنان الذين يحملون شهادة ولقب دكتور من كلية الطب في الجامعة السورية أو كلية طب أجنبية عودلت شهاداتها بالشهادة السورية واجتاز حاملها الفحص الإجمالي. ولئن كان هذا المرسوم قد أوجب تجديد التسجيل للمسجلين سابقاً فهو لم يعفهم من شرط الشهادة، وإنما إعفاءهم من شرط المعادلة والفحص الإجمالي، حتى إذا فوتوا المهلة الممنوحة لتجديد التسجيل ظلوا معفين من الفحص الإجمالي وحسب، كما يستفاد من أحكام المواد 28 و2 و48. ولما كان المدعي قد سجل في وزارة الصحة برقم 437 وتاريخ 17 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1949، بالاستناد إلى أحكام المرسوم التشريعي رقم 154 دون أن يكون حائزاً المؤهل، وذلك نتيجة لاعتماد الإدارة الخاطئ على ما جاء في كتاب محافظ اللاذقية من أن المدعي كان مسجلاً لدى حكومة جبل العلويين، مما أهاب بالأمين العام لوزارة الصحة إلى السماح له في جوابه المؤرخ 5 من نيسان (إبريل) سنة 1948 بالمداومة على عمله، بينما لو رجعت الوزارة إلى القيود الرسمية لمحافظة اللاذقية لما وجدت للمدعي سوى إضبارة كل ما حوته هو شهادات بعض المخاتير بمزاولته المهنة في قراهم كما سبق بيانه. ولما كان الأمر كذلك فإن تسجيل المدعي المجدد برقم 47 وترخيصه بتعاطي المهنة بموجب كتابي السيد الوزير المؤرخين في 27 من تموز (يوليه) سنة 1955 و11 من آب (أغسطس) سنة 1955 إنما ينطوي على مخالفة جسيمة للقانون تجرده من طابع القرارات الإدارية وتجعل منه مجرد عمل مادي لا يترتب عليه أثر قانوني. وأن المرسوم التشريعي رقم 96 وتاريخ 22 من أيلول (سبتمبر) سنة 1952 الذي حل محل المرسوم التشريعي المشار إليه قد أبقى على شرط الشهادة الجامعية (المادة 20) ولا وجه للقول بأن هذا المرسوم إذ ينص في المادة 38 على أن "كل تسجيل أو ترخيص جرى وفقاً للأحكام القانونية النافذة قبل صدور هذا المرسوم التشريعي يعتبر مرعى الإجراء" يكون قد طهر عيوب عدم الشرعية التي قد يبدو التسجيل والترخيص السابق مشوباً بها، لا وجه لذلك طالما أن هذا النص قد أوجب احترام التسجيل والترخيص الذي تم وفاقاً لأحكام التشريع الساق، فيخرج عن ذلك التسجيل والترخيص الذي يكون قد أجرى خلافاً للشرائط الواردة في ذلك التشريع، ولم يغط عيب الشكل فيه، وليس يعقل أن يجنح المشرع إلى تحقيق التسجيلات غير القانونية على أساس حماية الحقوق المكتسبة أو صون المراكز القانونية الذاتية، ذلك أن أصحاب هذه التسجيلات لم تنشأ لهم في الأصل أية حقوق أو مراكز قانونية يمكن الاحتجاج بها، كما هو شأن المدعي الذي كان تسجيله باطلاً منعدم الأثر. وأنه لا غناء في تمسك المدعي بنص المادة 6 من المرسوم رقم 96 الملمع إليه القائلة "إذا ظهر بأن تسجيل الطبيب في سجل الأطباء تم بالاستناد إلى وثائق مزورة جاز لوزير الصحة والإسعاف العام شطب اسم هذا الطبيب مؤقتاً من سجل الأطباء، وذلك بعد إقامة دعوى الحق العام عليه بجرم التزوير ويستمر مفعول هذا الشطب ريثما يصدر القضاء حكمه في القضية بقرار مكتسب قوة القضية المقضية". إذ أن هذه المادة قد عالجت حالة واحدة فقط هي حالة التسجيل بناء على وثائق مزورة، والمفروض في مدلول هذه المادة أن تكون جميع الوثائق قد قدمت ثم ظهر منها ما هو مزور، وفى الدعوى الحاضرة لسنا في معرض وثيقة مشوبة بالتزوير، بل بصدد وثيقة ليس لها وجود، ما دام المدعي يفتقر إلى المؤهل العلمي"، وخلصت المحكمة من ذلك إلى القول بأن قرار شطب اسم المدعي من سجل أطباء الأسنان قد قام على أساس سليم من القانون، ولا يستحق أي تعويض.
ومن حيث إن الطعن المقدم من المدعي يقوم على أساس أربعة: أولها أن الحكم المطعون فيه صدر خلافاً للأحكام القضائية السبعة السابقة الصادرة من المحكمة العليا، والمتعلقة بزملائه، والقاضية جميعها بعدم مشروعية القرار الوزاري المشكو منه، الذي يأمر في آن واحد وبكتاب واحد شطب أسمائهم واسم الطاعن من بينهم، وإلغاء الترخيص الممنوح لهم بمزاولة مهنة طب الأسنان، وهذه الأحكام السبعة قد حازت قوت الشيء المحكوم فيه، وعاد زملاء الطاعن السبعة فعلاً إلى مزاولة المهنة، ورخصت لهم الجهة المدعي عليها بذلك، ووضع الطاعن لا يختلف عن أوضاعهم، والحكم المطعون فيه قد خالف هذه الأحكام وقضى بمشروعية هذا العمل الإداري نفسه الذي شمله وشمل زملاءه السبعة، والسبب الثاني أن الحكم المطعون فيه قد خالف ما استقر عليه الفقه والاجتهاد في التمييز بين العمل الإداري المنعدم الذي يجوز الرجوع عنه في كل وقت لأنه يعتبر غير موجود فعلاً، والقرارات الباطلة أو المعيبة التي لا يجوز سحبها لا في خلال ميعاد الطعن، والتي تنتج مراكز قانونية وتحدث حقوقاً مكتسبة للأفراد، لا يجوز المساس بها حتى إذا ما انقضى ميعاد الطعن أضفى هذا الانقضاء عليها صفة المشروعية وأنتجت جميع آثارها، كما لو كانت صحيحة في الأصل، والحكم المطعون فيه أخطأ في تأويل القانون، إذ يتوسع في مفهوم الانعدام توسعاً يجعله يشمل القرارات المعيبة جميعها ويضع في يد الإدارة سلاحاً خطيراً تستطيع معه أن تنسف جميع القواعد الثابتة التي قررها القضاء الإداري في صيانة حقوق الأفراد المكتسبة وحماية مراكزهم القانونية، وإقامة أوضاع مستقرة في علاقاتهم بالدولة. وأن العمل الإداري القاضي بالترخيص للطاعن بمزاولة المهنة في دولة جبل العلويين لأنه كان يقوم بالخدمات الطبية التي لا غنى عنها، والاستمرار بالترخيص له بعد انضمام هذه الدولة إلى الدولة السورية بموافقة وزارة الصحة منذ عشرات السنين قبل صدور القواعد التي تنظم مزاولة مهنة الطب في البلاد السورية، وبعد صدور هذه القواعد أيضاً لا يمكن اعتباره عملاً إدارياً منعدماً يصح الرجوع عنه في كل وقت. والسبب الثالث من أسباب الطعن أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل الأحكام الانتقالية الواردة في المواد 46 – 48 من المرسوم التشريعي ذي الرقم 154، كما أخطأ في تأويل أحكام المادة 38 من المرسوم التشريعي ذي الرقم 96، ذلك أن هذه الأحكام الانتقالية الواردة في المرسوم التشريعي ذي الرقم 154 تضفي على جميع الترخيصات السابقة صفة المشروعية وتطهرها تطهيراً وتجعلها محصنة ولا تخضع أصحابها القائمين على العمل عند صدور المرسوم التشريعي المذكور بأي شرط من الشروط التي يخضع لها الطالبون الجدد من مؤهل علمي أو سواه. بل إن هذه الأحكام الانتقالية تعفي هؤلاء المسجلين سابقاً من أي إجراء سوى تقديم طلب لتجديد التسجيل خلال ميعاد معين، ولا تطلب توافر أي شرط آخر أو مؤهل آخر، والأحكام الانتقالية إذ تفعل ذلك فلأن المرسوم التشريعي المذكور يضع لأول مرة شروط مزاولة المهنة الطبية في البلاد السورية، فكان لا يمكن أن يطلب توافر شروط جديدة ومؤهلات جديدة من الأشخاص المرخصين سابقاً الذين يمارسون العمل قبل صدور التنظيم. والسبب الرابع من أسباب الطعن أن الطاعن هو أحد ثمانية أشخاص كانوا يمارسون مهنة طب الأسنان في دولة العلويين منذ زمن بعيد وبموافقة السلطة الإدارية ومعرفتها، لأسباب تقتضيها المصلحة العامة حينذاك بسبب ندرة الأطباء المؤهلين أو انعدامهم في تلك المنطقة حينذاك، وقد أتقنوا جميعهم المهنة بالخبرة والمران والتدريب، ورخصت وزارة الصحة لهم بعد أن أصبحت منطقة العلويين جزءاً من الدولة السورية لأنهم كانوا وما برحوا يسدون حاجة أساسية من حاجات تلك المنطقة إلى العناية الطبية التي أتقنها الطاعن وزملاؤه، وقد عاد زملاء الطاعن السبعة إلى ممارسة المهنة بحيث لم يبق خارج العمل من هذه الطائفة من مزاولي مهنة طب الأسنان في جميع أنحاء الجمهورية من أمثال الطاعن سوى الطاعن نفسه، فمنعه وحده وحرمانه وحده من مزاولة المهنة على الرغم من الترخيص لجميع من هم في وضعه من أمثاله في سائر أرجاء الدولة، إنما ينطوي على انعدام فاضح في المساواة وفى الملاءمة في العمل الإداري.
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة قدمت تقريراً ارتأت فيه رفض الطعن للأسباب التي قام عليها الحكم.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه في محله للأسباب التي قام عليها، وفيه الغناء عن الرد عما أوردته صحيفة الطعن، ومن ثم يكون الطعن على غير أساس سليم من القانون ويتعين رفضه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات