الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 31 لسنة 2 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ الإدارية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثالث (من أول يونيه سنة 1960 إلى آخر سبتمبر سنة 1960) – صـ 1233


جلسة 21 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس المجلس وعضوية السادة الإمام الإمام الخريبي ومصطفى كامل إسماعيل ومحمود محمد إبراهيم وحسني جورجي المستشارين.

القضية رقم 31 لسنة 2 القضائية (29 لسنة 2 ش)

( أ ) دعوى – الميعاد القانوني لرفع الدعوى – انقطاعه بالاستدعاء (التظلم) الموجه إلى جهة غير مختصة متى كان لها اتصال ما بموضوعه – أساس ذلك – مثال.
(ب) موظف – شرطة – درك – رواتب تقاعدية – سرد للتشريعات التي تحكم الرواتب التقاعدية لرجال الشرطة والدرك بالإقليم السوري – توحيد قوى الدرك والشرطة بموجب قرار رئيس الجمهورية الصادر في 13/ 3/ 1958 لا يعني خضوع نظام تقاعد رجال الشرطة للقانون رقم 198 لسنة 1954 الخاص بسريان قانون تقاعد رجال الجيش على رجال الدرك – القانون الواجب التطبيق في هذا الخصوص هو المرسوم التشريعي رقم 78 لسنة 1947 الخاص بملاك الشرطة – أساس ذلك.
1 – أن من المقرر قانوناً أن الميعاد ينقطع برفع الدعوى ولو إلى محكمة غير مختصة، متى كان عدم الاختصاص غير متعلق بالوظيفة. وقياساً على هذا النظر، فإن الاستدعاء يقطع الميعاد ولو قدم إلى جهة غير الجهة المختصة، متى كان ثمت لهذه الجهة اتصال ما بالموضوع.
فإذا كان الثابت أن المدعي كان يتبع وزارة الداخلية باعتباره من رجال الشرطة، فإنه كان على حق، إذ قدم استدعاؤه إلى هذه الوزارة باعتبارها الجهة الرئاسية له دون أن يتخطاها، فكان تصرفه متفقاً وما يقتضيه نظام التدرج الرئاسي، وقد كان على وزارة الداخلية بعد ذلك أن تحيل استدعاءه إلى الجهة المختصة (وهى وزارة الخزانة).
2 – يبين من تقصي التطور التشريعي لنظام رجال الشرطة والدرك أنه في 30 من حزيران سنة 1947 صدر المرسوم التشريعي رقم 78 لسنة 1947 متضمناً الملاك الخاص برجال الشرطة ولم يرد به أي نص في شأن القواعد التي تنظم رواتبهم التقاعدية، وعلى ذلك كانوا يخضعون في هذا الشأن لأحكام المرسوم التشريعي رقم 34 الصادر في 17 من نيسان سنة 1949 المتضمن نظام الرواتب التقاعدية باعتباره القانون العام، ثم صدر القانون رقم 198 لسنة 1954 الخاص بإعادة العمل بأحكام المرسوم التشريعي رقم 77 الصادر في 30 من حزيران سنة 1947 وتعديلاته المتضمن الملاك الخاص للدرك. وقد نص هذا القانون في المادة الرابعة منه على أن "تخضع رواتب الضباط والرقباء والدركيين المحترفين لحساب التقاعد ويطبق عليهم قانون تقاعد الجيش"، ثم نصت المادة العاشرة منه على أن "يستفيد عسكريو الدرك من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات الأخرى التي يستفيد منها عسكريو الجيش". وواضح من الحكم الأول الذي تضمنته المادة الرابعة أن الذين يطبق عليهم قانون تقاعد الجيش هم رجال الدرك وحدهم دون رجال الشرطة.
وفي 13 من آذار (مارس) سنة 1958 صدر قرار من رئيس الجمهورية بتوحيد قوى الأمن العام والشرطة والدرك والبادية في الإقليم السوري، ثم صدر في 13 من نيسان (إبريل) من ذات السنة القانون رقم 14 لسنة 1958 بنظام هيئة الشرطة في الإقليم السوري، وقد نصت المادة الأولى منه على أن "الشرطة هيئة نظامية تابعة لوزارة الداخلية ويتمتع رجالها بجميع المزايا المادية والأدبية ويستفيدون من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها ويستفيد منها عسكريو الجيش". ثم نصت المادة 34 على أن "تطبق على وظائف الشرطيين والحراس الليليين النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في الإقليم السوري من حيث التعيين والترفيع والتعويضات وغيرها – أما الرواتب فيراعى في شأنها ما جاء بالجدول المرافق". وأخيراً نصت المادة 40 منه على أن "تطبق على رجال الشرطة القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13/ 3/ 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة وذلك بالنسبة لما لم ينص عليه صراحة في هذا القانون" وإذ كان رجال الدرك يخضعون بالنسبة لرواتبهم التقاعدية لنظام الرواتب التقاعدية العسكرية الصادر به المرسوم التشريعي رقم 18 لسنة 1950 وهذا بمقتضى النص الصريح الوارد في المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1954 سالف الذكر، فقد ثار الجدل حول ما إذا كان رجال الشرطة أصبحوا هم أيضاً بمقتضى المادة الأولى والمادة الأربعين من القانون رقم 14 لسنة 1958 المشار إليه آنفاً يفيدون من نظام الرواتب التقاعدية العسكرية أسوة برجال الدرك.
يلاحظ أن نص المادة 40 من القانون رقم 14 لسنة 1958، الذي يقضي بالرجوع إلى القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13/ 3/ 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة فيما لم ينص عليه صراحة في هذا القانون، لا يعني إفادة رجال الشرطة من النص الوارد في المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1954 وهو النص الخاص بخضوع رجال الدرك لقانون تقاعد الجيش، ذلك أن الرجوع إلى هذا القانون في خصوص تقاعد رجال الشرطة لا محل له ما دامت المادة 34 من القانون رقم 14 لسنة 1958 قد تضمنت الحكم في ذلك بإحالتها إلى قانون آخر هو المرسوم التشريعي رقم 78 لسنة 1947 الخاص بملاك الشرطة والذي لم يتضمن نصاً مماثلاً لنص المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1945 الخاص بإعادة العمل بالمرسوم رقم 77 لسنة 1947 المتضمن ملاك الدرك.
وفضلاً عن ذلك فإن نظام الرواتب التقاعدية هو نظام مالي خاص يقوم على أسس وموازنات مالية معينة فلا يفيد منه إلا من كان يقصد القانون سريانه عليه بالذات وذلك بنص خاص فيه، أو كان هذا القصد واضحاً بما لا شبهة فيه، ولذا فإن ما نصت عليه المادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 1958 من حق رجال الشرطة في أن يتمتعوا بجميع المزايا المادية والأدبية ويفيدوا من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها ويفيد منها عسكريو الجيش، وما نصت عليه المادة 40 من هذا القانون من أن يطبق على رجال الشرطة القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند صدور قرار رئيس الجمهورية بتوحيد قوى الدرك والشرطة – هذان النصان الواردان بعبارات عامة لا يقتضيان إفادة رجال الشرطة من نظام الرواتب التقاعدية العسكرية لما لهذا النظام من خصوصية معينة كما سلف البيان، يؤكد ذلك أن المشرع عندما أراد تطبيق نظام التقاعد العسكري على رجال الدرك نص على ذلك صراحة في المادة الرابعة من القانون رقم 198 لسنة 1954 السابق الإشارة إليه، مع أنه في الوقت ذاته نص في المادة العاشرة من ذات القانون على أن يستفيد عسكريو الدرك من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يستفيد منها عسكريو الجيش، وهى ذات العبارة التي وردت في المادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 1958.


إجراءات الطعن

في 28 من كانون الثاني (يناير) سنة 1960 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة بالإقليم السوري عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 29 لسنة 2 القضائية، في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بدمشق بجلسة 2 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1959 في الدعوى رقم 33 لسنة 2 القضائية المقامة من السيد/ إبراهيم علي شيخ فضل ناصر ضد وزارة الخزانة والأمين العام المساعد لشئون الأمن العام والشرطة، والقاضي "برفض الدعوى وإلزام المدعي المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه القضاء بإلغاء الحكم المذكور وبأحقية المدعي في تسوية راتبه التقاعدي وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 18 الصادر في 18/ 1/ 1950 وما تلاه من تعديلات. وقد أعلن هذا الطعن إلى الحكومة في 2 من شباط (فبراير) سنة 1960 وإلى المطعون لصالحه (المدعي) في ذات التاريخ، وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 26 من نيسان (إبريل) سنة 1960، وأعلن كل من طرفي المنازعة بهذا التاريخ وفي الجلسة قرر الحاضر عن الحكومة أنه يفوض الرأي للمحكمة ولم يحضر المدعي وأرجأت الدائرة إصدار قرارها إلى اليوم التالي وفيه قررت إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لنظره بجلسة 30 من آب (أغسطس) سنة 1960 وتكليف سكرتيرية المحكمة إعلان ذوي الشأن وفي هذه الجلسة حضر طرفا النزاع وسمعت المحكمة ملاحظاتهما على الوجه المبين في محضر الجلسة ثم قررت إرجاء إصدار الحكم إلى جلسة 13 من أيلول سنة 1960 مع الترخيص في تقديم مذكرات خلال أربعة أيام.


المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون لصالحه (المدعي) أقام دعواه بعريضة مؤرخة 15 من آذار (مارس) سنة 1959 ضد المدعى عليهما أمام المحكمة العليا ولما أن صدر القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة أحيلت الدعوى إلى المحكمة الإدارية بدمشق وقيدت بها تحت رقم 33 لسنة 2 القضائية. وقد طلب المدعي في دعواه "1 – قبول الدعوى شكلاً – 2 – قبولها موضوعاً وإبطال قرار الرفض الضمني المطعون فيه وبأن المدعي يستحق الراتب المنصوص عليه في المادة 22 من المرسوم التشريعي رقم 18 وإعادة التأمين للمدعي وتضمين المدعي عليهما الرسوم والمصاريف والأتعاب" وقال المدعي شرحاً لدعواه أنه كان يعمل شرطياً محترفاً وبتاريخ 12/ 10/ 1958 رأت لجنة التسريح الطبية للموظفين في اللاذقية أن المدعي مصاب بضعف السمع في الأذنين، وهذا الضعف ناتج عن حالة مرضية طبيعية غير قابلة للشفاء وأن إصابته هذه "لا تحوجه لمعونة غير الجسمية" ولكنها تمنعه من القيام بمهام الوظيفة وبتاريخ 13/ 11/ 1958 اقترح رئيس قسم الصحة والبيطرة تسريح المدعي لمرض غير ناتج عن الخدمة، فصدر الأمر الإداري رقم 2178/ 8 ك من الأمين العام المساعد لشئون الأمن العام والشرطة بتاريخ 25/ 11/ 1958 بتسريح المدعي من الخدمة مع منحه شهادة حسن سلوك. وعلى أثر ذلك تقدم المدعي في 29/ 1/ 1959 باستدعاء أصولي إلى الأمانة في وزارة الداخلية سجل بها تحت رقم 3102 طالباً صرف راتبه المعادل لثلث راتبه غير الصافي من كامل التعويض العائلي ولمدة تساوي نصف العدد الإجمالي لسني خدمته وذلك وفقاً لأحكام المادة 22 من المرسوم التشريعي رقم 18 الصادر في 18 من كانون الثاني سنة 1950 ويقول المدعي أنه لم يتلق أي رد على هذا الطلب مما يعتبر رفضاً ضمنياً ولذلك فهو يطعن في القرار الإداري الضمني برفض طلبه.
وقد ردت وزارة الداخلية على الدعوى بمذكرة مؤرخة 31/ 5/ 1959 أبدت فيها أنها ليست المرجع المختص بتصفية حقوق المدعي وإنما المرجع المختص بذلك هو وزارة الخزانة صاحبة الاختصاص في تصفية الحقوق التقاعدية وحسابها ولذلك فإنها، أي وزارة الداخلية، عندما وصل إليها الاستدعاء الذي يشير إليه المدعي في عريضة دعواه قررت حفظه لعدم اختصاصها بنظره ولم ترسل أي رد للمدعي مما اعتبره المدعي قراراً ضمنياً برفض دعواه ومن ثم فقد رفع دعواه الحالية. وخلصت الوزارة من ذلك إلى أنها لا شأن لها في هذه الدعوى وطلبت ردها شكلاً لانتفاء الخصومة. ثم تكلمت وزارة الداخلية عن الموضوع فأبدت أن المدعي ليس محقاً فيما يطلبه من حساب راتبه التقاعدي طبقاً لأحكام المادة 22 من المرسوم رقم 18 الصادر في 18/ 1/ 1950 بسبب كونه من عناصر الشرطة سابقاً وإنما الأحكام الواجبة التطبيق في حالة المدعي هي أحكام المرسوم التشريعي رقم 34 الصادر في 27/ 4/ 1949 واستندت الوزارة في ذلك إلى الرأي الصادر عن الهيئة العامة لديوان المحاسبات تحت رقم 157 بتاريخ 5/ 11/ 1958 ونصه كالآتي: إذا أريد تطبيق أحكام قانون التقاعد العسكري على رجال الشرطة سابقاً لابد من وضع قانون يؤمن التوافق والتماثل بين رجال الشرطة وما يقابلهم من أفراد الجيش وضباطه من حيث الرتب والخدمات ونحو ذلك وإلى أن يصدر مثل هذا القانون يبقى رجال الشرطة والحراس الليليون خاضعين للأحكام الواردة في ملاكاتهم الخاصة السابقة لصدور القانون رقم 14 بتاريخ 13/ 2/ 1958 – لهذا فإننا لا نرى مجالاً للبحث في أمر استفادة الجهة المدعية من أحكام المادة 22 من المرسوم رقم 18 بتاريخ 18/ 1/ 1950 المعدل بالمرسوم التشريعي رقم 171 بتاريخ 8/ 7/ 1953 بسبب كونه من عناصر الشرطة سابقاً وأن أحكام المرسوم التشريعي رقم 34 بتاريخ 27/ 4/ 1949 هي الواجبة التطبيق في حساب راتبه التقاعدي استنادا لما أوردناه آنفاً.
وقدم مفوض الدولة مذكرة بالرأي القانوني في الدعوى ارتأى فيها الحكم برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع بأحقية المدعي في تسوية راتبه وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 18 الصادر في 18/ 1/ 1950 وما تلاه من تعديلات. وأستند المفوض في رأيه بالنسبة إلى الدفع إلى أن الدعوى ليست في الواقع دعوى إلغاء وإنما هي من دعاوى التسويات المتعلقة بالمرتبات والتي يستمد الموظف حقه فيها من القانون مباشرة، وليس من قرار الإدارة. وأما فيما يتعلق بالموضوع فإن القانون رقم 198 الصادر في 4/ 7/ 1954 أخضع رواتب الضباط والرقباء والدركيين المحترفين لحساب التقاعد على أن يطبق عليهم قانون تقاعد الجيش، ثم صدر قرار رئيس الجمهورية في 13/ 3/ 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة والأمن العام والبادية في الإقليم السوري ثم صدر بعد ذلك قرار رئيس الجمهورية رقم 14 لسنة 1958 بتاريخ 13/ 4/ 1958 بنظام هيئة الشرطة في الإقليم السوري، وقد نصت المادة الأولى منه على أن "يتمتع رجال الشرطة بجميع المزايا الأدبية ويستفيدون من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها ويستفيد منها عسكريو الجيش" ونصت المادة 40 من ذات القرار على أن "يطبق على رجال الشرطة القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13/ 3/ 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة وذلك بالنسبة لما لم ينص عليه صراحة في هذا القانون". وخلص المفوض من هذه النصوص إلى أن المدعي وهو من رجال الشرطة على حق في طلبه.
وبجلسة 2 من كانون الأول سنة 1959 حكمت المحكمة الإدارية برفض الدفع بعدم قول الدعوى وفي الموضوع برفضها وإلزام المدعي المصروفات، وأقامت المحكمة قضاءها في رفض الدفع على أن المدعي اختصم وزارة الخزانة في دعواه، كما أن الدعوى في حقيقتها هي من قبيل دعاوي التسوية. وفي الموضوع استند الحكم المطعون فيه إلى أن نص المادة 40 من القانون رقم 14 لسنة 1958 الذي يقضي بالرجوع إلى القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13/ 3/ 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة فيما لم ينص عليه صراحة في هذا القانون – لا يعني إفادة رجال الشرطة من النص الوارد في المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1954 وهو النص الخاص بخضوع رجال الدرك لقانون تقاعد الجيش، ذلك أن الرجوع إلى هذا القانون في خصوص تقاعد رجال الشرطة ألا محل له ما دامت المادة 34 من القانون رقم 14 لسنة 1958 قد تضمنت الحكم في ذلك بإحالتها إلى قانون آخر هو المرسوم التشريعي رقم 78 لسنة 1947 الخاص بملاك الشرطة والذي لم يتضمن نصاً مماثلاً لنص المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1954 الخاص بإعادة العمل بالمرسوم رقم 77 لسنة 1947 المتضمن ملاك الدرك، ومن ثم فإن المدعي، وقد كان من رجال الشرطة، يخرج عن نطاق من يسري عليهم أحكام المرسوم التشريعي رقم 18 لسنة 1950 الخاص برواتب التقاعد العسكري ولا يكون له حق الإفادة من المادة 22 من هذا المرسوم.
وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة مؤرخة 28 من كانون الثاني سنة 1960، طالباً إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بأحقية المدعي في تسوية راتبه التقاعدي وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 18 الصادر في 18 من كانون الثاني (يناير) سنة 1950، وما تلاه من تعديلات مستنداً في رأيه إلى ذات الأسباب التي استند إليها مفوض الدولة في المذكرة التي تقدم بها إلى المحكمة الإدارية.
وقدمت المحكومة مذكرة مؤرخة 9 من شباط (فبراير) سنة 1960 ذكرت فيها أن الاجتهاد مستقر في الإقليم السوري على أن رجال الشرطة لا يفيدون من أحكام المرسوم التشريعي رقم 18 الصادر في 18 من كانون الثاني (يناير) سنة 1950 في شأن تقاعد عساكر الجيش، وأن النصوص التي أستند إليها السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في طعنه ليس من شأنها تعديل هذا الاجتهاد، وأن النص على تمتع رجال الشرطة بالمزايا العادية والإفادة من الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها عساكر الجيش – لا يفيد تطبيق نظام التقاعد العسكري عليهم، كما أن النص على تطبيق القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13 من آذار (مارس) سنة 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة لا يجعل موظفي الشرطة يتمتعون بتقاعد العسكريين، إذ أن ذلك القانون خاص له أحكامه وأصوله وإطلاق القوانين والأنظمة أنما أريد بها تلك القوانين والأنظمة التي تتعلق بممارسة العمل لا التي تتصل برواتب المعاش. وانتهت الحكومة في مذكرتها إلى طلب رفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه.
وفي 13 من نيسان سنة 1960 قدمت هيئة المفوضين تقريراً بالرأي القانوني في الطعن المقدم من السيد رئيس هيئة المفوضين ارتأت فيه الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بتسوية حالة المدعي طبقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 18 لسنة 1950 المشار إليه آنفاً" مستندة في رأيها إلى ذات الأسباب التي أستند إليها المفوض في تقريره إلى المحكمة الإدارية.
وفي أثناء حجز القضية للحكم قدم كل من طرفي المنازعة وكذلك هيئة المفوضين مذكرات تكميلية صمم فيها كل على طلباته المتقدمة.
ومن حيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً، فإن هذا الدفع يقوم على أن المدعي قدم استدعاءه في 29 من كانون الثاني (يناير) سنة 1959 إلى وزارة الداخلية، وهذه الوزارة غير مختصة بنظر طلبات تسوية الرواتب التقاعدية، وأن الجهة المختصة هي وزارة الخزانة، ولذلك فإن وزارة الداخلية حفظت استدعاءه ولم ترسل أي رد عليه، ولكن المدعي بمجرد انقضاء شهر على تقديم استدعائه اعتبر أن هناك قراراً ضمنياً برفضه ورفع دعواه في 15 من آذار (مارس) سنة 1959.
ومن حيث إن المدعي وقد كان يتبع وزارة الداخلية باعتباره من رجال الشرطة، فإنه كان على حق، إذ قدم استدعاءه إلى هذه الوزارة باعتبارها الجهة الرئاسية له دون أن يتخطاها، فكان تصرفه متفقاًَ وما يقتضيه نظام التدرج الرئاسي، وقد كان على وزارة الداخلية بعد ذلك أن تحيل استدعاءه إلى الجهة المختصة، ومع ذلك ففيما يتعلق بحفظ المواعيد، فإن من المقرر قانوناً أن الميعاد ينقطع برفع الدعوى ولو إلى محكمة غير مختصة متى كان عدم الاختصاص غير متعلق بالوظيفة. وقياساً على هذا النظر، فإن الاستدعاء يقطع الميعاد ولو قدم إلى جهة غير الجهة المختصة، متى كان لهذه الجهة اتصال ما بالموضوع، كما هو الحال في خصوصية هذا النزاع، إذ أن الجهة التي قدم إليها المدعي الاستدعاء هي الجهة الرئاسية بالنسبة له، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى برفض هذا الدفع يكون قد أصاب الحق في النتيجة التي أنتهي إليها.
ومن حيث إنه عن الموضوع، فإنه يبين من تقصي التطور التشريعي في هذا الشأن أنه في 30 من حزيران (يونيه) سنة 1947 صدر المرسوم التشريعي رقم 78 لسنة 1947 متضمناً الملاك الخاص برجال الشرطة، ولم يرد به أي نص في شأن القواعد التي تنظم رواتبهم التقاعدية، وعلى ذلك كانوا يخضعون في هذا الشأن لأحكام المرسوم التشريعي رقم 34 الصادر في 17 من نيسان (إبريل) سنة 1949 المتضمن نظام الرواتب التقاعدية باعتباره القانون العام، ثم صدر القانون رقم 198 لسنة 1954 الخاص "بإعادة العمل بأحكام المرسوم التشريعي رقم 77 الصادر في 30 من حزيران (يونيه) سنة 1948 وتعديلاته، المتضمن الملاك الخاص للدرك" وقد نص هذا القانون في المادة الرابعة منه على أن "تخضع رواتب الضباط والرقباء والدركيين المحترفين لحساب التقاعد ويطبق عليهم قانون تقاعد الجيش" ثم نصت المادة العاشرة منه على أن "يستفيد عسكريو الدرك من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات الأخرى التي يستفيد منها عسكريو الجيش"، وواضح من الحكم الأول الذي تضمنته المادة الرابعة أن الذين يطبق عليهم قانون تقاعد الجيش هم رجال الدرك وحدهم دون رجال الشرطة.
ومن حيث إنه في 13 من آذار (مارس) سنة 1958 صدر قرار من رئيس الجمهورية بتوحيد قوى الأمن العام والشرطة والدرك والبادية في الإقليم السوري، ثم صدر في 13 من نيسان (إبريل) من ذات السنة القانون رقم 14 لسنة 1958 بنظام هيئة الشرطة في الإقليم السوري، وقد نصت المادة الأولى منه على أن "الشرطة هيئة نظامية تابعة لوزارة الداخلية ويتمتع رجالها بجميع المزايا المادية والأدبية، ويستفيدون من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها ويستفيد منها عسكريو الجيش"، ثم نصت المادة 34 على أن "تطبق على وظائف الشرطيين والحراس الليليين النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في الإقليم السوري من حيث التعيين والترفيع والتعويضات وغيرها. أما الرواتب فيراعى في شأنها ما جاء بالجدول المرافق". وأخيراًَ نصت المادة 40 منه على أن "تطبق على رجال الشرطة القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند العمل بقرار رئيس الجمهورية الصادر في 13 من آذار (مارس) سنة 1958 بتوحيد قوى الدرك والشرطة، وذلك بالنسبة لما ينص عليه صراحة في هذا القانون"، وإذ كان رجال الدرك يخضعون بالنسبة لرواتبهم التقاعدية لنظام الرواتب التقاعدية العسكرية الصادر به المرسوم التشريعي رقم 18 لسنة 1950، وهذا بمقتضى النص الصريح الوارد في المادة 4 من القانون رقم 198 لسنة 1954 سالف الذكر، فقد ثار الجدل حول ما إذا كان رجال الشرطة أصبحوا هم أيضاً بمقتضى المادة الأولى والمادة 40 من القانون رقم 14 لسنة 1958 المشار إليه آنفاً، يفيدون من نظام الرواتب التقاعدية العسكرية أسوة برجال الدرك.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق في قضائه للأسباب التي أستند إليها، وتضيف هذه المحكمة أن نظام الرواتب التقاعدية هو نظام مالي خاص يقوم على أسس وموازنات مالية معينة، فلا يفيد منه إلا من كان يقصد القانون سريانه عليه بالذات، وذلك بنص خاص فيه – أو كان هذا القصد واضحاً بما لا شبهة فيه، ولذا فإن ما نصت عليه المادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 1958 من حق رجال الشرطة في أن يتمتعوا بجميع المزايا المادية والأدبية، ويفيدوا من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها ويفيد عسكريو الجيش، وما نصت عليه المادة 40 من هذا القانون من أن يطبق على رجال الشرطة القوانين والأنظمة التي كان يعمل بها في الدرك عند صدور قرار رئيس الجمهورية بتوحيد قوى الدرك والشرطة – هذان النصان الواردان بعبارات عامة لا يقتضيان إفادة رجال الشرطة من نظام الرواتب التقاعدية العسكرية لما لهذا النظام من خصوصية معينة كما سلف البيان. يؤكد ذلك أن المشرع عندما أراد تطبيق نظام التقاعد العسكري على رجال الدرك نص على ذلك صراحة في المادة الرابعة من القانون رقم 198 لسنة 1954 السابق الإشارة إليه، مع أنه في الوقت ذاته نص في المادة العاشرة من ذات القانون على أن يستفيد عسكريو الدرك من كافة الميزات والاستثناءات والإعفاءات التي يستفيد منها عسكريو الجيش، وهي ذات العبارة التي وردت في المادة الأولى من القانون رقم 14 لسنة 1958.
ومن حيث إن الطعن والحالة هذه يكون غير قائم على أساس سليم من القانون فيتعين رفضه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات