الطعن رقم 17 لسنة 2 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
الإدارية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثالث (من أول يونيه سنة 1960 إلى آخر سبتمبر سنة 1960) – صـ
1222
جلسة 21 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس المجلس وعضوية السادة علي بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل، ومحمود محمد إبراهيم، وحسني جورجي المستشارين.
القضية رقم 17 لسنة 2 القضائية
موظف – تأديب – عدم جواز مجادلة المجلس التأديبي في إثبات واقعة
بذاتها سبق لحكم جنائي حاز قوة الأمر المقضي إن نفى وقوعها – قيام قرار المجلس على
هذه الواقعة على أخطاء مسلكية أخرى – لا يؤثر في صحة القرار التأديبي وقيامه على سببه
المبرر له قانوناً، ما دام القرار قد صرح بأن هذه الأخطاء الأخرى تكفي وحدها لمجازاته
وما دام ليس ثمت تعارض بين الإدانة في تلك الأخطاء وبين الحكم الجنائي القاضي بالبراءة.
إنه وإن كان لا يجوز للمجلس التأديبي أن يعود للمجادلة في إثبات واقعة بذاتها سبق لحكم
جنائي حاز قوة الأمر المقضي إن نفى وقوعها، فلا يجوز للمجلس التأديبي أن يصدر قراراً
بالإدانة على أساسها، إلا أنه يبين من مراجعة القرار التأديبي المطعون فيه أنه قام
على أمرين، أولهما ثبوت واقعة الرشوة في حق المدعي وثانيهما ارتكابه أخطاء مسلكية أخرى،
فإذا كان لا يجوز للقرار التأديبي أن يعيد النظر فيما قام عليه الحكم الجنائي الذي
قضى ببراءة المدعي من تهمة الرشوة كما سلف البيان وإلا كان في ذلك مساس بقوة الأمر
المقضي وهو ما لا يجوز، إلا أن هذا لا يمنع المجلس التأديبي من محاكمة الموظف تأديبياً
عن الأخطاء المسلكية الأخرى عند ثبوتها ما دام ليس ثمة تعارض بين الإدانة في تلك الأخطاء
وبين الحكم الجنائي القاضي بالبراءة فيما أقام عليه قضاءه.
فإذا كان الثابت أن القرار التأديبي المطعون فيه قد نسب إلى المدعي ارتكاب أخطاء مسلكية
وصرح بأن ارتكابه هذه الأخطاء كما هي موضحة في الإضبارة تكفي وحدها لمجازاته بالتسريح
التأديبي إن لم يكن الطرد، وذلك بصرف النظر عن براءته من تهمة الرشوة. ونوه القرار
المذكور بأن هذه المخالفات المسلكية أوضحتها الإفادات المثبتة في الإضبارة وأقوال المتهم
نفسه، ولو صح هذا لاستقام القرار التأديبي على سببه المبرر له قانوناً.
إجراءات الطعن
بتاريخ 6 من كانون الثاني (يناير) سنة 1960 أودعت إدارة قضايا الحكومة
بالنيابة عن مديرية الجمارك صحيفة طعن في الحكم الصادر بجلسة 6 من كانون الأول (ديسمبر)
سنة 1959 من المحكمة الإدارية بدمشق في القضية رقم 29 لسنة 2 ق المرفوعة من السيد يوسف
الخوري ضد السيد مدير الجمارك والسيد رئيس مجلس الجمارك والقاضي بإلغاء القرار المطعون
فيه – وهو القرار الإداري رقم 19/ 7/ س المؤرخ 19/ 1/ 1959 والقاضي بتسريحه من وظيفته
كخفير جمركي ثابت من المرتبة العاشرة – وإلزام الحكومة بالمصروفات.
ويطلب الطاعن للأسباب التي أوردها في صحيفة طعنه "فسخ الحكم وإعادته لمحوره القانوني".
وقد عين لنظر هذا الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 23 من آذار (مارس) سنة 1960 وأحيلت
لدور قادم حتى يرد ملف الطعن ثم عين لنظره أمامها جلسة 26 من نسيان (إبريل) سنة 1960
وقررت إحالته إلى المحكمة العليا لجلسة 27 من آب (أغسطس) سنة 1960 وبعد سماع ما رؤى
لزوماً لسماعه من إيضاحات أرجئ النطق بالحكم فيه لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع ما رؤى لزوماً لسماعه من إيضاحات
وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المدعي يوسف
الخوري أقام هذه الدعوى بصحيفة قدمها للمحكمة العليا بدمشق في 9 آذار (مارس) سنة 1959
طلب فيها إلغاء القرار الإداري رقم 19/ 7/ س القاضي بتسريح المدعي الخفر الجمركي الثالث
يوسف الخوري ذي الرقم 1248/ خ من المرتبة العاشرة والتابع لشعبة المكافحة بدمشق وقال
بياناً لدعواه أنه بتاريخ 9/ 10/ 1956 كفت يده عن العمل بتهمة الرشوة والتلاعب بميزان
الجمارك في المنطقة الحرة وإساءة استعمال الوظيفة وأحيل إلى مجلس التأديب الذي أحاله
بعد الإطلاع على الإضبارة إلى محكمة الجنايات وأوقف رهن التحقيق والمحاكمة وقد أصدرت
المحكمة حكمها ببراءته من جميع ما نسب إليه، وقد أعيدت الإضبارة بعد ذلك إلى مديرية
الجمارك بناء على طلبها فأصدرت القرار موضوع الدعوى سرحت بموجبه المدعي من الخدمة اعتباراً
من 9 من أكتوبر سنة 1956 وقد أبلغ إليه هذا القرار بتاريخ 12 من شباط (فبراير) سنة
1959. وينعي المدعي على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون ولصلاحيات المدير العام
للجمارك، ذلك أن المدعي قد كفت يده اعتباراً من 9/ 10/ 1956 وذلك بموجب القرار رقم
272 بتاريخ 31/ 8/ 1956 وأن إجراءات التحقيق أبقته ما ينيف على السنتين دون راتب ثم
صدر القرار رقم 19 بتاريخ 9/ 1/ 1959 وصدق من مجلس الجمارك الأعلى بتاريخ 12 شباط سنة
1959، أي بتاريخ تبليغه له وعلى هذا يكون مدير الجمارك قد أعطي لقراره مفعولاً رجعياً
فاعتبر التسريح واقعاً من تاريخ 9/ 10/ 1956 أي بتاريخ كف يده وفي هذا مخالفة واضحة
للقانون ولصلاحيات المدير العام للجمارك وتعدياً صارخاً على مفهوم العدالة التي تقضي
بأن يعاد المدعي إلى ملاك وظيفته وتعاد إليه جميع رواتبه المتراكمة التي كانت مقطوعة
عنه فضلاً عن مخالفة القرار المطعون فيه للقرار رقم 545 الصادر بتاريخ 29/ 12/ 1943
ولا سيما المادة 48 منه.
وقد أحيلت الدعوى إلى المحكمة الإدارية بدمشق عملاً بالقانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن
تنظيم مجلس الدولة. وأجابت الجهة الإدارية على الدعوى بمذكرة قالت فيها أنه من المقرر
فقهاً واجتهاداً أن إحالة الموظف إلى القضاء لا تقيد مجلس التأديب ولا تمنع من إنزال
العقوبة المسلكية به، حتى في حال براءته قضائياً من الجرم المسند إليه. وقضت المادة
36 من قانون الموظفين الأساسي بأنه في حال إحالة الموظف إلى القضاء لا يجوز لمجلس التأديب
النظر في قضيته إلى أن تصدر المحكمة حكمها النهائي ويكتسب الدرجة القطعية. وهذا هو
القيد الوحيد الذي يتقيد به مجلس التأديب وليس في نظام موظفي الجمارك ولا في قانون
الموظفين أي نص يوجب تقيد والتزام مجلس التأديب بالحكم الذي يصدره القضاء. وقد وجد
مجلس التأديب في التحقيق المسلكي الذي أجراه وفي الإفادات المتممة ما يكفي للإدانة
ولمجلس التأديب حق التقدير المطلق للأدلة ولا يخضع تقديره للمحكمة الإدارية ما دامت
الإجراءات التي قام بها سليمة وموافقة للقانون. ثم قالت الحكومة في مذكرتها أن المادة
48 من القرار رقم 545 تاريخ 29/ 12/ 1943 المتضمن نظام موظفي الجمارك قد خولت المدير
العام حق كف يد كل موظف متهم بارتكاب خطأ ذي خطورة بالغة ونصت على أنه "إذا كانت العقوبة
المتخذة فيما بعد تؤدي إلى الحذف من الملاك (التسريح أو الإحالة إلى التقاعد أو الطرد)
فيكون مفعول هذا التسريح اعتباراً من تاريخ التوقيف عن العمل". ولما كان المدير العام
قد قرر توقيف المدعي عن العمل بتاريخ 9/ 10/ 1956 بموجب القرار 272 تاريخ 13/ 8/ 1956،
ثم صدر قرار مجلس التأديب رقم 19 تاريخ 19/ 1/ 1959 وهو يقضي بتسريحه تأديبياً اعتباراً
من تاريخ توقيفه عن العمل الواقع في 9/ 10/ 1956 فيكون هذا القرار موافقاً لنص المادة
48 سالفة الذكر وطلبت الحكم برد الدعوى وإلزام المدعي الرسوم والمصاريف والأتعاب.
ومن حيث إنه بجلسة 9 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1959 أصدرت المحكمة الإدارية بدمشق
حكمها المطعون فيه وهو يقضي بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون
فيه وإلزام الحكومة بالمصروفات وأقامت قضاءها على أنه وإن كان من المقرر أن الجريمة
التأديبية تستقل عن الجريمة الجنائية فقد لا يتوافر في الفعل المؤثم أركان الجريمة
الجنائية ولكنه مع ذلك يكون جريمة تأديبية يجوز معاقبة مرتكبها عنها مما لا تنهض معه
البراءة من الجريمة الجنائية دليلاً على انتفاء وجود جريمة تأديبية إلا أن الجريمتين
قد تلتقيان إذا كان الفعل المكون لكل منهما واحداً بحيث يستوجب بذاته إيقاع العقوبتين
الجنائية والتأديبية معاً، كل من الجهة المختصة بذلك ففي هذه الحالة فإن عدم صحة الوقائع
المكونة لهذا الفعل وثبوت براءة المتهم من الناحية الجنائية يستتبع كذلك عدم إدانته
من الناحية التأديبية إذ ليس يصح قول بعدم ثبوت واقعة وبثبوتها في آن واحد وبهذه المثابة
يمتنع القول بجواز مجازاة موظف تأديبياً عن ذات الواقعة التي لم تثبت صحتها جنائياً
إذ أن ذلك يكون عن ذنب لم يقع وهو ما لا يجوز. وأنه يبين من مطالعة أوراق التأديب وأوراق
القضية الجنائية رقم 275 أساس 215 (محكمة الجنايات بدمشق) أن واقعة الرشوة المنسوبة
للمدعي كانت موضوع محاكمة تأديبية انتهت بصدور قرار مجلس التأديب في 11 من أيار سنة
1957 بتسريح المدعي تأديبياً، ولما رفع هذا القرار إلى المجلس الأعلى للجمارك لإقراره
عملاً بالمادة 47 من القرار 545 الصادر في 29/ 12/ 1943 بشأن نظام موظفي الجمارك أعاد
المجلس الأوراق الخاصة بالموضوع ثانية إلى مديرية الجمارك لإحالتها إلى القضاء للنظر
في جريمة الرشوة المنسوبة إلى المدعي (كتاب المجلس الأعلى للجمارك رقم 96/ س المؤرخ
20/ 7/ 1957) وتنفيذاً لهذا دعي مجلس التأديب ثانية لإعادة النظر في المخالفة المنسوبة
للمدعي. وقد اجتمع المجلس التأديبي لذلك فعلاً في 12/ 10/ 1957 ورأى إحالة المدعي إلى
القضاء للنظر في "جرم الرشوة المنسوب إليه". وقد أحيل المدعي إلى قاضي الإحالة الذي
قرر بتاريخ 30/ 4/ 1958 إحالة المدعي وآخر إلى محكمة الجنايات لأنه "تبين من مجرى التحقيق
أن كمال محمود قاسم وهو عميل جمركي في المنطقة الحرة وأن يوسف عيسي الخوري (المدعي)
وهو خفير جمركي موكل إليه وزن السيارات المستوردة من الخارج لاستيفاء الرسوم الجمركية
عنها استناداً لهذا الوزن وبحسب عمل الأول فقد أتصل بالخفير يوسف الخوري (المدعي) واتفق
معه على إنقاص وزن السيارات ماركة بوسينغ بعد تجريدها من بعض القطع الواردة إلى شركة
استيراد هذه السيارات ومقابل ذلك يتقاضي الخفير يوسف عشر الرسم المستحق عليه الوزن
وبهذا قد نفذ الخفير يوسف هذا الاتفاق وأضاع على خزانة الدولة 25256.8 ليرة". وقد نظرت
محكمة الجنايات هذه القضية وقضت فيها بتاريخ 20/ 10/ 1958 ببراءة المدعي والعميل الجمركي
سالف الذكر من جرم الرشوة المسند إليهما لعدم الثبوت وقالت في حيثيات حكمها ما نصه
"أن المتهم كمال قاسم اعتاد أن يقوم بنزع عجلتين من العجلات الخلفية للسيارات ذوات
الأربع عجلات خلفية من السيارات التي كان يقوم بتخليصها باعتباره مخلصاً جمركياً وكان
يقوم بهذا العمل بواسطة الشاهد عبد الرازق التقى لقاء أجرة خمسة ليرات يدفعها إليه
عن نزع العجلات وإعادتها كعمل مادي صرف وكان يقصد من ذلك تهريب وزن هذه العجلات المنزوعة
من الرسوم الجمركية وهكذا إلى أن افتضح الأمر فقدم هو والمتهم يوسف الخوري الخفير المسئول
عن القبانة بتهمة الرشوة. وحيث إن المحكمة وجدت أن الخلل في إدخال الغش في الوزن لا
يعتبر محصوراً في وقت الوزن وإنما خلال مدة وجود البضاعة في الساحات الجمركية ثم فترة
المطابقة بين البضاعة التي وزنت وبين مستنداتها وهاتان الفترتان لا اختصاص للمتهم يوسف
فيهما وهو في فترة الوزن لا يعتبر مسئولاً أكثر من إشرافه على القبان وإعطاء ورقة الوزن
إذ تبين من أقوال الشاهد كمال غالي عضو مجلس الإنماء الاقتصادي أن الكشاف هو المكلف
بالمطابقة. وحيث إنه لم يثبت صدور عمل جرمي من المتهم يوسف، وأن ما نسب إليه من قبول
الرشوة لم يقم عليه أي دليل….." واستطرد الحكم المطعون فيه إلى القول أنه بعد صدور
حكم الجنايات هذا اجتمع مجلس التأديب وأصدر قراره المطعون فيه مستنداً إلى أنه "تبين
من الإفادات المثبتة في الإضبارة التأديبية ومن الأقوال التي جرت على لسان الخفير (المدعي)
نفسه ومن ظروف القضية وملابساتها أن الخفير يوسف خوري قد ارتكب جرم الرشوة وفوت على
الخزينة مبالغ ضخمة لقاء منافع حصل عليها. ومن حيث إن قرار محكمة الجنايات بعدم مسئوليته
الذي بنته على عدم قناعتها وعلى عناصر غير مؤيدة واقعياً لم يجد المجلس في هذا القرار
ما يبرر مثل هذا الحكم. وحتى ولو كان لهذه البراءة قوتها إلا أنه عن الأخطاء المسلكية
الأخرى التي ارتكبها المتهم فإن هذه المخالفات كما هي موضحة في الإضبارة تكفي وحدها
لإنزال عقوبة التسريح التأديبي إن لم يكن الطرد". وقالت المحكمة في أسباب حكمها المطعون
فيه أن واقعة الرشوة وإنقاص الوزن المشار إليها في قرار مجلس التأديب إنما هي بذاتها
التي برأته محكمة الجنايات منها لعدم ثبوتها وأن مجلس التأديب حينما انتهى إلى تقرير
تسريحه من الخدمة إنما بنى ذلك على أساس ثبوت هذه الواقعة وأنه في ذلك لم يورد دليلاً
على ما انتهى إليه من ثبوت إلا قوله بأن "قرار محكمة الجنايات بنى على عناصر غير مؤيدة
واقعياً" وهذا من المجلس معيب ويزعزع ركن السبب في قراره التأديبي من أساسه لأنه من
جهة لا يستطيع أن يقرر عن واقعة بعينها خلاف ما قرره حكم قضائي فيها فيشكك من صحة ما
قرره الحكم ويقول بعدم صوابه ويوهن الأساس الذي قام عليه ولأنه من جهة أخرى إذا قرر
ذلك وما كان يجوز له قد عجز عن إيراد دليل على ما قرره أو إيراد سبب مقنع ولا يعدو
ما أورده في أسبابه في هذا الخصوص قولاً مرسلاً لا يعول عليه ولا يؤبه له. وغني عن
البيان أن المسألة هنا تتعلق بثبوت واقعة بعينها أو بعدم ثبوتها لا بتكييف واقعة ثابتة
بأنها وإن لم تكن جريمة جنائية فإنها تكون جرماً تأديبياً حتى يصح الاحتجاج باستقلال
الجريمتين عن بعضهما. وإن مجلس التأديب وقد شعر بموطن الضعف في قراره في خصوص ثبوت
جريمة الرشوة وأحس بعدم سلامته أراد أن يقيم قراره على سبب آخر مؤداه إنه وإن لم تتوافر
جريمة الرشوة ولم يثبت وقوعها فإن ثمت مخالفات مسلكية أخرى قد وقعت من المتهم يحمل
عليها قرار المجلس. وهذا كذلك مردود بأنه غير قائم على أساس إذ أنه إن جاز اعتباره
بمثابة سبب للقرار مع ما في ذلك من تجهيل وعدم تحديد وما فيه كذلك من إرسال القول دون
محاولة سنده وبناء دعائمه، فإنه ليس ثمت وقائع أخرى غير تلك التي ارتأت الإدارة على
غير أساس أنها تكون جريمة رشوة يمكن أن تكون مخالفة مسلكية يجوز عقاب المدعي عليها.
وخلصت من ذلك إلى القول بأن السببين اللذين أقام عليهما مجلس التأديب قراره بتسريح
المدعي من الخدمة تأديبياً غير صحيحين وأن ما نسب إلى المدعي من مخالفات مسلكية صدر
القرار المذكور قاضياً بمجازاته عنها غير ثابتة في حقه مما يجعل هذا القرار غير قائم
على سببه مخالفاً بذلك للقانون.
ومن حيث إن الطعن يقوم على الأسباب الآتية: أولاً – أن ما نسب إلى الخفير يوسف الخوري
لم ينحصر في جرم الرشوة فحسب وإنما ارتكب المذكور طائفة من الأخطاء المسلكية أورثت
هدر حقوق الجمارك وقد تبين من الإضبارة أنه أغفل ذكر المواصفات ورقم الشاسيه والمحرك
على بطاقات وزن السيارة وأنه بعمله هذا ساعد المخالفين في تلاعبهم بالأوزان التي على
أساسها تستوفي الرسوم الجمركية، هذا إذا جارينا محكمة الجنايات بأن الشك قد ساور موضوع
أن الإهمال المذكور كان مقصوداً ومأجوراً أيضاً. ثانياً – من المتفق عليه في الفقه
والاجتهاد أن تقرير القضاء بأن التهمة التي أحيل من أجلها الموظف لا تتوافر فيها عناصر
الجرم الجنائي أو الجزائي لا يحول دون ملاحقة الموظف مسلكياً بعد براءته أو عدم مسئوليته
إذا كان ثمت أسباب تستدعي ذلك ومن الرجوع إلى قرار مجلس التأديب الصادر بتاريخ 16/
12/ 1958 نجد أنه بني على الأخطاء المسلكية الأخرى المنسوبة إلى المتهم والموضحة في
الإضبارة المربوطة ومثل هذا التعليل على اقتضابه يوحى بأن التسريح لم يكن مبعثه ما
نسب للمتهم من جرم الرشوة وحدها وأن قرار المدير العام إذ نوه بذكر الرشوة وحدها فذلك
ليس تحت طائلة البطلان طالما أن قراره مبني على قرار مجلس التأديب وهو المستند الأصلي
قد نوه بأن الأخطاء المسلكية الأخرى غير الرشوة. ثالثاً – استقر اجتهاد القضاء الإداري
على أنه ليس من حقه التدخل في وزن خطورة السبب أو تقدير ملاءمة الأثر الذي رأت السلطة
الإدارية المختصة ترتيبه عليه والذي اقتنع به وأطمأن إليه أولو الأمر في استهدافهم
للصالح العام وقد رأى مجلس التأديب في سيرة المطعون ضده ما يستدعي تسريحه لأمر الرشوة
التي أيدها مع الإدارة وكيل النيابة وقاضي الإحالة وإنما ساور الشك محكمة الجنايات
والشك هذا لصالح المتهم.. وإنما لأخطاء مسلكية فادحة قدر المسئولون عن الإدارة أنها
وحدها تكفي لإيقاع العقوبة المفروضة وأن رقابة القضاء الإداري لا تهدف إلى استئناف
النظر بالموازنة والترجيح فيما توفر عند الإدارة من دلائل وبينات وقرائن وهل تصلح أساساً
للعقوبة التي أوقعتها أم أن هذه العقوبة فيها إسراف وحيف وغلو في التأديب لأن الشارع
أوكل التقدير في هذا كله للسلطات التأديبية. رابعاً – أن قاعدة سريان الحكم الجنائي
على الحكم المدني وما تفرغ عنها يجب أن يكون ميدان تطبيقها في القضاء الإداري مقيداً
أو محدوداًَ لاختلاف طبيعة الدعاوى من جهة وما تهدف إليه من جهة أخرى وكل إسراف في
تطبيق هذه القاعدة لا يأتلف والقواعد العامة التي قام عليها بنيان القضاء الإداري.
ومن حيث إن مفوض الدولة أمام المحكمة العليا قدم تقريراً بالرأي القانوني في الطعن
ارتأى فيه قبوله شكلاً ورفضه موضوعاً وبني رأيه على أن الثابت أن قرار تسريح المطعون
ضده قد صدر لسبب ما نسب إليه من ارتكابه لجريمة الرشوة وتلاعبه في الأوزان مما ترتب
عليه أن فوت على الخزانة مبالغ طائلة من الرسوم الجمركية وأنه بالإطلاع على حكم محكمة
الجنايات الصادر في شأن المطعون ضده في 20 من تشرين الأول سنة 1958 يتبين أن المحكمة
تناولت في حكمها ذات الواقعتين المنسوبتين إليه واللتين حوكم من أجلهما تأديبياً وانتهت
في حكمها إلى أنه لم يثبت عمل جرمي عن المتهم وأن ما نسب إليه من قبول الرشوة لم يقم
عليه أي دليل وأن حكم محكمة الجنايات المذكور فيما تضمنه من نفي ما نسب إلى المطعون
ضده لا شك يحوز حجية الشيء المقضي ويعتبر لذلك قرين الصحة فيما أشتمل عليه ولا يصح
بعد ذلك – إذ ناقشت المحكمة ما نسب إلى المطعون ضده – أن تعاد المناقشة مرة أخرى عن
الوقائع ذاتها وذلك بمناسبة محاكمته تأديبياً ويعتبر ذلك امتهاناً للقضاء بعدم احترام
ما يصدره من أحكام، ونزولاً على حكم محكمة الجنايات كان يجب على مجلس التأديب أن يراعي
في قراره ما سبق أن قضت به المحكمة في شأن المطعون ضده وتنفيذ ما جاء في حكمها وبالأخص
فيما يتعلق بعدم ثبوت ما نسب إليه من جريمة الرشوة ولا يتعداه بحكم عمله واختصاصه عن
مسألة الأوزان وما أصابها من خلل وغش ثبت أنه كان غير مسئول عنها وأن مجلس التأديب
وقد حرر نفسه من التقيد بما جاء بحكم المحكمة وأعاد مناقشة ما سبق أن ناقشته المحكمة
في ذات الوقائع التي كانت مطروحة عليها الأمر الذي انتهى بالمجلس إلى عكس النتيجة التي
قضت بها المحكمة فانتفت التهمة عن المطعون ضده في حكم المحكمة وثبتت في قرار مجلس التأديب
مع أن المسألة في الحالتين واحدة تتعلق بثبوت واقعة بعينها أو عدم ثبوتها وليس تكييف
واقعة ثابتة بأنها وإن لم تكون جريمة جنائية فإنها تكون جريمة تأديبية، لذلك وأخذاً
بما قضت به محكمة الجنايات في شأن المطعون ضده من عدم ثبوت ما نسب إليه يكون قرار مجلس
التأديب قد قام على غير سبب صحيح فاقداً ركناً من أركانه ويكون معيباً لمخالفته للقانون
مستوجباً الإلغاء وهو ما قضى به الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إنه وإن كان لا يجوز للمجلس التأديبي أن يعود للمجادلة في إثبات واقعة بذاتها
سبق لحكم جنائي حاز قوة الأمر المقضي أن نفى وقوعها، فلا يجوز للمجلس التأديبي أن يصدر
قراراً بالإدانة على أساسها، إلا أنه يبين من مراجعة القرار التأديبي المطعون فيه أنه
قام على أمرين: أولهما ثبوت واقعة الرشوة في حق المدعي، وثانيهما ارتكابه أخطاء مسلكية
أخرى، فإذا كان لا يجوز للقرار التأديبي أن يعيد النظر فيما قام عليه الحكم الجنائي
الذي يقضي ببراءة المدعي من تهمة الرشوة كما سلف البيان وإلا كان في ذلك مساس بقوة
الأمر المقضي وهو ما لا يجوز، إلا أن هذا لا يمنع المجلس التأديبي من محاكمة الموظف
تأديبياً عن الأخطاء المسلكية الأخرى عند ثبوتها ما دام ليس ثمة تعارض بين الإدانة
في تلك الأخطاء وبين الحكم الجنائي القاضي بالبراءة فيما أقام عليه قضاءه.
ومن حيث إن القرار التأديبي المطعون فيه قد نسب إلى المدعي ارتكاب أخطاء سلكية وصرح
بأن ارتكابه هذه الأخطاء كما هي موضحة في الإضبارة تكفي وحدها لمجازاته بالتسريح التأديبي
إن لم يكن الطرد، وذلك بصرف النظر عن براءته من تهمة الرشوة، ونوه القرار المذكور بأن
هذه المخالفات المسلكية أوضحتها الإفادات المثبتة في الإضبارة وأقوال المتهم (المدعي)
نفسه، ولو صح هذا لاستقام القرار التأديبي على سببه المبرر له قانوناً.
ومن حيث إنه يبين من الإطلاع على الإضبارة أن التحقيق تناول جميع ما نسب إلى المدعي
وكذلك ما نسب إلى غيره من الموظفين، ويستخلص من هذا التحقيق أن المخالفات المسلكية
الأخرى التي نسبت إلى المدعي (خلاف تهمة الرشوة التي حوكم عنها جنائياً وقضى ببراءته
منها) هي: أنه لم يكن يذكر على التصفية أن السيارات بها دولابان (إطاران) خلفيان كما
أنه لم يذكر عدم وجود صندوق العدة – وقد نوقش المدعي في ذلك فقال بأنه ليس من واجبه
تحري ذلك وأن هذا من اختصاص الكشافين وأنه راجعهم في ذلك أكثر من مرة – ولم يحدد المدعي
أحداً بذاته من الكشافين الذين يقول أنه راجعهم وشهد الرقيب نهاد جبلاوي رئيس مفرزة
المنطقة الحرة السابق والسيد جورج عريضة رئيس قسم الكشف في المنطقة الحرة بدمشق أن
الخفير المكلف بالوزن (المدعي) مكلف أيضاً بإعطاء أوصاف السيارة الموزونة وما إذا كانت
تتضمن عدة أو إطاراً إضافياً أو غير ذلك أو أنها لا تتضمن هذه الأشياء، كي يكون الكشاف
على بينة من الأمر عند تصفية الرسوم المتوجبة.
ومن حيث إن الثابت من تقرير الاتهام المؤرخ 9 من أيار سنة 1957 أن المجلس التأديبي
مدعو لإبداء رأيه في العقوبة الواجب إنزالها بالخفير يوسف خوري على ضوء التحقيق الجاري
بحقه، كما أنه مدعو لإبداء رأيه بصدد باقي الموظفين الذين عوقبوا من قبل الإدارة..
إلخ. وأوجز التقرير التهمة المنسوبة إلى المدعي يوسف خوري على النحو التالي: "تلاعب
أثناء وجوده في مديرية المنطقة الحرة بدمشق بأوزان السيارات التي كانت تقدم إليه لوزنها
على قبان المنطقة الحرة مقابل حصوله على أموال غير مشروعة" وأورد التقرير بعد ذلك موجزاً
لكل ما تضمنته إضبارة التحقيق من تقارير وإفادات وأقوال، وقدم المدعي لمجلس التأديب
مذكرة دفاعه مما نسب إليه، وقرر المجلس التأديبي في 11 من أيار سنة 1957 إدانة المدعي
ومعاقبته بالتسريح التأديبي من تاريخ كف يده الواقع في 10/ 10 سنة 1956 وأقام قراره
على ما شهد به الشهود في التحقيق الذي تضمه الإضبارة وأورد أقوال كل شاهد ممن أستند
إليهم حسبما وردت في التحقيق.
ومن حيث إنه بعد أن رأى مجلس الجمارك الأعلى أنه كان يجب على مجلس التأديب تطبيقاً
للمادة 29 من المرسوم التشريعي رقم 37 الصادر في 5 من شباط (فبراير) سنة 1950 المتضمن
إحداث مجلس التأديب، إحالة الإضبارة بكاملها للقضاء، للنظر في جرم الرشوة المنسوبة
إلى كل من الخفير والعميل الجمركي ومستخدم شركة بوسينغ، قرر المجلس التأديبي إحالة
الإضبارة للقضاء، فلما قضى ببراءة المدعي من جريمة الرشوة التي نسبت إليه، أعيدت الأوراق
إلى المجلس التأديبي للنظر فيما نسب إلى الخفير فأصدر المجلس في 16 من كانون الأول
1958 قراره المطعون فيه بإدانة الخفير يوسف خوري بالزلة المسلكية التي أسندت إليه وأحيل
من أجلها إلى مجلس التأديب وتسريحه تأديبياً من ملاك المصلحة.
ومن حيث إن مجلس التأديب وقد أستند في قراره إلى ما هو ثابت في إضبارة التحقيق على
النحو السالف بيانه من مخالفات مسلكية وجهت إلى المتهم ونوقش فيها وقدم دفاعه في شأنها
فلا وجه والحالة هذه لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من "أن فيما أقام عليه مجلس التأديب
قراره تجهيلاً وعدم تحديد، وإرسالاً للقول دون محاولة سنده وبناء دعائمه، وأن ليس ثمت
وقائع أخرى غير تلك التي ارتأت الإدارة على غير أساس أنها تكون جريمة الرشوة يمكن أن
يكون مخالفة مسلكية يجوز عقاب المدعي عليها" لا وجه لذلك مع ما أورده القرار المطعون
فيه بالنسبة إلى المخالفات المسلكية المنسوبة للمدعي من الإشارة إلى ما ورد في قرار
الإحالة وإلى ما هو ثابت في الإضبارة، خصوصاً وأن المادة 18 من المرسوم التشريعي رقم
37 الصادر في 5 من شباط (فبراير) سنة 1950 بإحداث مجلس التأديب وأصول محاكمة الموظفين
تنص على أن "يحال الموظف على مجلس التأديب بمرسوم أو قرار من السلطة التي تمارس حق
التعيين بالاستناد إلى إضبارة التحقيق أو بقرار من رئيس مفتشي الدولة بناء على إضبارة
التحقيق الجاري من قبل هيئة مفتشي الدولة.. إلخ".
ومن حيث إنه مما تقدم وبصرف النظر عما تعرض له القرار المطعون فيه من المجادلة في الحكم
الجنائي وهو ما لا يجوز، حسبما سلف إيضاحه، فإنه ظاهر أن المجلس التأديبي أقتنع بإدانة
المدعي في الأخطاء المسلكية الأخرى المحددة في قرار الاتهام والمفصلة في التحقيق، تلك
الأخطاء التي صرح المجلس التأديبي بأنها وحدها تكفي لإدانة المدعي، وبذلك يستقيم القرار
على السبب المبرر له قانوناً، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بإلغائه قد أنطوى على
مخالفة القانون ويتعين إلغاؤه ورفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه إلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.
