الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1 لسنة 1 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ الإدارية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الثالث (من أول يونيه سنة 1960 إلى آخر سبتمبر سنة 1960) – صـ 1203


جلسة 21 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس المجلس وعضوية السادة على بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل ومحمود محمد إبراهيم وحسني جورجي، المستشارين.

القضية رقم 1 لسنة 1 القضائية (ش)

موظف – تأديب – عدم جواز معاقبة الموظف عن الذنب الإداري الواحد مرتين – جواز معاقبته عن الاستمرار في الإهمال أو الإخلال بواجبات وظيفته باعتباره جريمة تأديبية جديدة – شرطه أن يكون الاستمرار حاصلاً بعد توقيع الجزاء الأول – مثال.
أنه لا يجوز معاقبة الموظف عن الذنب الإداري الواحد مرتين بجزاءين أصليين لم ينص القانون صراحة على الجمع بينهما، أو بجزاءين لم يقصد باعتبار أحدهما تبعياً للآخر، وهذا من البداهات التي تقتضيها العدالة الطبيعية، ولذا كان من الأصول المسلمة في القانون الجزائي، فلا يجوز معاقبة المتهم عن جرم واحد مرتين، بل إن المتهم إذا ارتكب فعلاً يكون عدة جرائم أو جملة أفعال مرتبطة بعضها ببعض من أجل غرض واحد لا يعاقب عن كل فعل على حدة بعقوبة مستقلة بل يعاقب بعقوبة واحدة على الفعل المكون للجريمة الأشد، وأياً كانت طبيعة الجزاء التأديبي الذي وقع أولاً فإنه يجب ما عداه ما دام قد وقع بالفعل طبقاً للأوضاع القانونية الصحيحة. ولم يرد في المواد 24، 25، 27 من قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لسنة 1945 أو في المادة 26 من المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 5 من شباط سنة 1950 بإحداث مجلس التأديب وأصول محاكمة الموظفين ما يخالف هذا الأصل، وهذا كله بمراعاة أن استمرار الموظف في إهماله أو في الإخلال بواجبات وظيفته – على الرغم من توقيع جزاء عليه عن هذا الإهمال أو الإخلال بالواجب في تاريخ أسبق – إنما هو مخالفة تأديبية جديدة يجوز مجازاته عنها مرة أخرى دون التحدي بسبق توقيع الجزاء الأول متى كان هذا الجزاء عن إهماله في واجبات وظيفته حتى تاريخ سابق على ذلك، وهذا من البداهة التي لا تحتاج إلى تبيان، وهو الأصل المسلم كذلك بالنسبة إلى الجرائم المستمرة في مجال القانون الجزائي، والقول بغير ذلك يخل بالأوضاع ويعطل سير المرافق العامة ويشجع الموظفين على الاستمرار في الإخلال بواجبات وظائفهم بحجة سبق توقيع جزاء حتى تاريخ معلوم. والاستمرار المقصود في هذه الحالة هو الحاصل بعد توقيع الجزاء الأول لا قبل ذلك.
فإذا كان الثابت من الأوراق أن عقوبة الحسم من الراتب وعقوبة التوبيخ وكذا عقوبة التنزيل في المرتبة وإبطال الترفيع التي قضى بها مجلس التأديب بقراره المطعون فيه إنما فرضت جميعها على المدعين من أجل ذات الأفعال التي ارتكبوها في فترة زمنية واحدة، وآية ذلك أن تاريخ الوقائع المنسوبة إليهم وكذا وصفها واحد، وأنه لم يمض فاصل زمني ذو بال بين العقوبة الأولى والثانية، ولا فاصل قط بين هذه الأخيرة وقرار الإحالة إلى مجلس التأديب. هذا فضلاً عن أن الإحالة التي تمت بقرار السيد وزير الزراعة رقم 318 الصادر في 13 من آيار (مايو) سنة 1958 قد استندت إلى ما أفصح عنه السيد الوزير في كتابه رقم 8261 – 19/ 5 الموجه إلى مجلس التأديب في 10 من تموز (يولية) سنة 1958 من أن المحالين قد إستمروا في ارتكاب المخالفات رغم الإنذار الموجه إليهم في 31 من آيار (مايو) سنة 1958، ولما كان تاريخ هذا الإنذار وتاريخ قرار الإحالة واحداً، فإن الاستمرار المقول به بالمعنى الموجب لتكرار العقاب يكون منتفيا".


المحكمة

من حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بجلسة 26 من نيسان (إبريل) سنة 1960 في هذه الدعوى "بقبول الطعن شكلاً، وبجواز نظر الطعن رأساً أمام هذه المحكمة في القرار الصادر من المجلس التأديبي وأجلت نظره لجلسة 6 من أيلول (سبتمبر) سنة 1960 لاستيفاء ما هو مبين بأسباب هذا الحكم خلال شهرين ورخصت في الإطلاع وتقديم مذكرات إلى ما قبل الجلسة بشهرين، وأبلغ الطرفان بميعاد الجلسة المعينة لنظر الطعن وفيها سمعت الإيضاحات على الوجه المبين بالمحضر ثم أرجئ النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
ومن حيث إن عناصر المنازعة الموضوعية، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن الطاعنين، وهم من موظفي أملاك الدولة، أحيلوا إلى مجلس التأديب بدمشق، بناء على تقرير التفتيش المختص، لمحاكمتهم من الوجهة المسلكية عما عزى إليهم في هذا التقرير من امتناعهم عن تنفيذ الأوامر ومخالفتهم أصول تقديم الشكاوي وعدم تقيدهم بالبلاغات الصادرة من وزارة الزراعة. وبجلسة 2 من آب (أغسطس) 1958 صدر قرار مجلس التأديب رقم 90 – 117 بإبطال ترفيع كل من السيدين خالد جوخدار وانطون مسوح، وتنزيل كل من المحالين الآخرين درجة واحدة من مرتبته. وقد طعن المحكوم عليهم في هذا القرار أمام محكمة التمييز فأصدرت حكمها رقم 459 – 65 في 22 من كانون الثاني (يناير) سنة 1959 بنقض القرار المذكور لنقض في التحقيق والتعليل وبإعادة القضية إلى مجلس التأديب الذي أصدر بجلسة 30 من نيسان (إبريل) سنة 1959 قراره رقم 75 رقم الأساس 69/ 1959 بالآتي: "1 – تنزيل كل من المحالين السادة برهان السعدي ومحمد الصوفي وحسين الراشد وأحمد الدباس وسعيد سلحدار ومحمد لائقة وخيري المصري وسهيل الزيتاوي وعدنان زبروتي درجة واحدة في مرتبتهم الحالية. 2 – إبطال ترفيع كل من السيدين خالد جوخدار وانطون مسوح". وقد ورد في أسباب هذا القرار أن قرار الإحالة بني على ارتكاب المحالين مخالفتين مسلكيتين: (الأولى) عدم التقيد ببلاغ رئاسة مجلس الوزراء المتضمن وجوب تقديم الشكوى بطريق التسلسل وبصورة فردية وشفوية. و(الثانية) عدم تنفيذ المذكورين لأحكام بلاغ وزارة الزراعة القاضي بتوحيد دوائرهم بالمصالح الزراعية وربطها بها. وأن المحالين قد اعترفوا بإفاداتهم التي أدلوا بها أمام المجلس بأنهم لم ينفذوا بلاغ الوزارة المشار إليه بحجة أنه يكتنفه الغموض. وأن المجلس الذي يعود إليه أمر تقدير الأدلة والاقتناع بها لم يأخذ بهذا الدفاع، لأنه على الرغم من صراحة البلاغ المذكور، فإن اتصال هؤلاء الموظفين ببعضهم وعقد أكثرهم اجتماعاً في حديقة المنشية بحلب لتحرير صيغة اعتراض على البلاغ يؤيد عدم صحة مدعاهم من أن تأخرهم عن تنفيذ البلاغ إنما كان بسبب غموضه، هذا فضلاً عن أنهم ظلوا مصرين على عدم تنفيذ البلاغ على الرغم من جميع المراسلات ومن فرض العقوبات المسلكية الخفيفة عليهم من قبل الوزارة مباشرة، وهي عقوبات لا يحول توقيعها عليهم دون إحالتهم إلى مجلس التأديب بسبب استمرار تمردهم الذي يؤلف في ذاته زلة مسلكية مستمرة لا علاقة لها بتلك العقوبات، ويرتب مسئوليتهم وفقاً لحكم الفقرات 3 و4 و7 من المادة 22 من قانون الموظفين الأساسي، وهو أمر يعود تقديره إلى هيئة مجلس التأديب سواء من حيث قيام المسئولية المسلكية، أو من حيث فرض العقوبة التي تتناسب مع الفعل.
ومن حيث إن قرار مجلس التأديب المشار إليه بلغ في 14 من آيار (مايو) سنة 1959 إلى الموظفين المتقدم ذكرهم فطعنوا فيه أمام المحكمة الإدارية العليا بتقرير أودعوه سكرتيرية المحكمة في 24 من آيار (مايو) سنة 1959 طلبوا فيه "1 – إعطاء القرار أولاً بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه الذي يؤدي تنفيذه إلى نتائج يتعذر تداركها من جهة أوضاع المحالين في وظائفهم وإجراءات ترفيعهم في حدود الشواغر. 2 – من حيث النتيجة، إبطال القرار المطعون فيه وإعلان عدم مسئولية الموكلين" وأقاموا طعنهم على الأسباب الآتية:
1 – بطلان الإجراءات: إذ أن هيئة مجلس التأديب التي أصدرت القرار المطعون فيه هي غير الهيئة التي نظرت سابقاً في القضية، وذلك بحلول رئيس جديد لها محل الرئيس السابق دون تلاوة الأوراق، مما يجعل الرئيس الجديد مشتركاً في إصدار قرار دون علم منه باضبارة التحقيق أو بدفوع المحالين.
2 – عدم إتباع النقض من جهة التحقيق في الوثائق المؤيدة لتنفيذ بلاغات وزارة الزراعة: إذ أن مجلس التأديب أخذ في قراره السابق رقم 117 أساس 90 الصادر في 2 من آب (أغسطس) سنة 1958 على المحالين "الامتناع عن تنفيذ البلاغات الصادرة عن الوزارة المختصة". والواقع أن اضبارة التحقيق التي يتعين الاستناد إليها لا تتضمن أية إشارة إلى أن أحداً منهم قد امتنع عن التنفيذ أو تلكأ فيه في أي وقت. ذلك أن التنفيذ منوط برؤساء المصالح الزراعية قبل أن يكون منوطاً بالمحالين وهم رؤساء أملاك الدولة. فعلى الأولين أن يصدروا التعليمات التطبيقية وأن يتخذوا التدابير اللازمة من أجل توحيد الدواوين والمخابرات والمحفوظات وعندئذ فقط يتسنى للمحالين التنفيذ، وإذا كان بلاغا وزارة الزراعة موضوع هذه القضية قد صدرا غامضين ومبهمين، مما جعل رؤساء المصالح الزراعية يتريثون في التنفيذ إلى أن صدرت فيما بعد في 13 من أيار (مايو) و3 و21 من حزيران (يونيه) سنة 1958 بلاغات وزارة الزراعة الإيضاحية، فإن مسئولية هذا التريث لا تقع على عاتق المحالين، رؤساء أملاك الدولة، وآية ذلك أن أوضاعهم الفردية لا تسمح إطلاقاً بالادعاء بعدم التنفيذ. أما العبارة التي وردت في نهاية عريضتهم المشتركة قولهم: "سنستمر حالياً على إتباع الطريقة السابقة.." فلا يقصد بها سوى طلب إعادة النظر في البلاغين آنفي الذكر اللذين لم يكونا قد بلغا إليهم بعد، وهذا هو ما حمل محكمة التمييز على أن تذكر في حكمها رقم 65 الصادر في 22 من كانون الثاني (يناير) سنة 1959 أن مجلس التأديب لم يتعرض لمناقشة هذه الوقائع ولم يبحث في الوثائق المبرزة، مما يجعل قراره "ناقص التعليل ومستوجب النقض". وقد كان على المجلس عندما أعيدت الإضبارة إليه أن يتقيد بهذا النقض، ولكنه أصر على قراره السابق، ناسباً إلى المحالين "الإصرار على عدم التنفيذ" و"استمرار التمرد" وهو ما لا يتفق مع الواقع ولا مع القانون. أما من حيث الواقع فقد فرضت وزارة الزراعة على المحالين عقوبة التوبيخ في 13 من آيار (مايو) سنة 1958 وعقوبة الحسم في 12 منه، ثم قررت إحالتهم إلى مجلس التأديب في 13 من الشهر عينه، وقد أبلغوا عقوبة التوبيخ أولاً ثم عقوبة الحسم، وإن كانت الأولى تحمل تاريخاً لاحقاً للثانية بيوم واحد. ومن ثم فقد كان الفاصل الزمني هو يوم واحد بين عقوبة الحسم موضوع القرار رقم 317 وقرار الإحالة الصادر تحت رقم 318، ولم يقم أي فاصل زمني بين عقوبة التوبيخ وقرار الإحالة اللذين صدرا في تاريخ واحد، الأمر الذي ينفي واقعة الإصرار على عدم التنفيذ أو الاستمرار في التمرد. وأما من حيث القانون فإن الإدعاء باستمرار المحالين على المخالفة بعد 13 من آيار (مايو) سنة 1958 إنما هو صادر من وزارة الزراعة، وهي خصم في الدعوى، ولا يجوز الاكتفاء بما تقوله بل لابد من الرجوع إلى إضبارة التحقيق التي خلت مما يؤيد هذا الإدعاء، بل تضمنت ما ينقضه.
3 – عدم جواز المعاقبة أكثر من مرة عن الفعل الواحد: إذ اتخذت وزارة الزراعة في حق المحالين بصدد الفعل ذاته الذي أحيلوا من أجله إلى مجلس التأديب عقوبتين هما عقوبة التوبيخ في 13 من آيار (مايو) سنة 1958، وعقوبة الحسم بواقع 10% من رواتبهم غير الصافية لمدة سنة في 12 من آيار (مايو) سنة 1958 ومن المقرر قانوناً أنه لا يجوز الجمع بين عقوبتين من نوع واحد، ومن باب أولى بين عقوبتين إحداهما أشد من الأخرى، في وقت واحد بسبب مخالفة واحدة. وقد أخذ كل من قانون الموظفين الأساسي وقانون مجلس التأديب بمبدأ تسلسل العقوبات المسلكية وعدم جواز تعددها من أجل الذنب الواحد. ومن ثم فلا يجوز للإدارة إطلاقاً تكليف مجلس التأديب النظر في فرض عقوبة ثالثة على المخالفة ذاتها، ولذا فإن القرار المطعون فيه يكون مستوجباً الإبطال.
4 – الذهول عن البحث فيما أثاره المحالون من أن القضية الحاضرة تتعلق بالمصلحة العامة لا بمصلحة شخصية: ذلك أن القرار المطعون فيه قد أخذ على المحالين إلى جانب مخالفة "الامتناع عن التنفيذ" مخالفة أخرى هي "اجتماعهم وإرسالهم عريضة إلى وزارة الزراعة مباشرة وبصورة جماعية" أي مخالفة أصول تقديم الشكاوي إخلالاً ببلاغ رئاسة مجلس الوزراء الصادر في 29 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1951. والواقع أن هذا البلاغ إنما يتعلق بالاعتراض على المراسيم والقرارات الخاصة بأوضاع الموظف المسلكية الشخصية، أي لا يجري حكمه إلا في نطاق أوضاع الموظف الشخصية الخاصة به، خلافاً للحالة المعروضة حيث يتعلق الأمر ببلاغين يحملان الطابع العام ويستهدفان تفسير أو تنظيم أمور عامة لا شأن لها بحقوق موظف معين بالذات أو بواجباته، إذ يتعلقان بتوحيد دواوين الزراعة في مراكز المحافظات وتنظيم مخابراتها واتصالها بدوائر الدولة. ولم تخرج عريضة المحالين المؤرخة 25 من نيسان (إبريل) سنة 1958 عن كونها اقتراحاً يتعلق بالمصلحة العامة، ولذا فإن الاعتراض الذي تضمنته لا يشكل مخالفة لأصول تقديم الشكاوي.
ومن حيث إن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة قد عقب على هذا الطعن بتقرير في 13 من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1959 انتهى فيه – لما أبداه من أسباب – إلى أنه يرى "1 – إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقرير مبدأ قانوني فيه. 2 – عدم اختصاص المحكمة الإدارية العليا بالنظر في الطعن المذكور، لما ذكر من أسباب، ورده لعدم الاختصاص". وقد فصلت المحكمة الإدارية العليا في مسألة الاختصاص التي أثارها هذا التقرير بحكمها الصادر بجلسة 26 من نيسان (إبريل) سنة 1960 [(1)]، وأرجأت الفصل في الموضوع لسكوت الجهة الإدارية عن الإجابة عن الدعوى في الميعاد القانوني، وعن التعقيب على مذكرة الطاعنين التكميلية المؤرخة 16 من نيسان (إبريل) سنة 1960 التي رددوا فيها دفاعهم السابق في الموضوع واختتموها بطلب "1 – قبول الطعن شكلاً. 2 – قبوله موضوعاً وإبطال القرار المطعون فيه وإعلان عدم مسئولية الموكلين. 3 – تضمين الجهة المطعون ضدها المصاريف وأتعاب المحاماة".
ومن حيث إن وزارة الإصلاح الزراعي أوضحت بكتابها رقم 2363/ س. ق المؤرخ 13 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1959 أن الطاعن الأول السيد/ برهان السعدي قد صرف من الخدمة بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 1767 الصادر في 30 من أيلول (سبتمبر) سنة 1959.
ومن حيث إنه يبين من تقصي الوقائع في هذه الدعوى أن مديرية أملاك الدولة كانت تابعة لوزارة الاقتصاد الوطني بموجب المرسوم التشريعي رقم 82 لسنة 1947، إلى أن صدر المرسوم التشريعي رقم 26 لسنة 1949 بفصلها من هذه الوزارة وإلحاقها بوزارة الزراعة، ثم عدلت وظائفها بالمرسوم التشريعي رقم 140 لسنة 1952، وأصبحت خاضعة للأنظمة المطبقة على موظفي وزارة الزراعة، وفي 4 من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1953 صدر المرسوم التشريعي رقم 104 الذي نص في مادته الخامسة على أن رئيس المصالح الزراعية هو ممثل الزراعة في المحافظة، وهو المرجع المسئول لجميع الدوائر المرتبطة بالوزارة بما فيها دوائر أملاك الدولة، كما نص في مادته السادسة على توحيد دواوين مديريات وزارة الزراعة في ديوان واحد يرأسه رئيس ديوان الوزارة وتنقل إليه الوظائف الحالية في الدوائر المختلفة بالمديريات، وكذلك الأمر في المحافظات عند اللزوم. وتطبيقاً لذلك أصدرت وزارة الزراعة في 3 من آذار (مارس) سنة 1955 تعليماتها رقم 4102/ 1/ 10 التي أوضحت فيها اختصاصات رئيس المصالح الزراعية في المحافظة، وأوجبت أن ترفع جميع المخابرات عن طريقه إلى الوزارة مشفوعة برأيه في الموضوع، وأفسحت المجال لرؤساء الدوائر في أن يتصلوا مباشرة بالمديريات صاحبة الشأن في كل ما يتعلق بالمخابرات الرسمية. ثم أصدرت الوزارة في 16 من كانون الثاني (يناير) سنة 1958 بلاغها رقم 280/ س الذي أجازت بمقتضاه لموظفي أملاك الدولة في المحافظات الاتصال بالدوائر ذات الشأن في محافظة كل منهم فيما يتعلق بالمرافعة في الدعاوى المنظورة أمام القضاء، وكذا بالمعاملات المستعجلة، بشرط إخبار رئيس المصالح الزراعية بذلك. كما أصدرت في 26 من كانون الثاني (يناير) سنة 1958 البلاغ رقم 541/ ص الذي عدل أحكام البلاغ السابق بالسماح لموظفي أملاك الدولة بالاتصال مباشرة بالدوائر صاحبة الشأن ضمن محافظتهم عن غير طريق رئاسة المصالح الزراعية، وذلك في الأمور التي تتطلبها الظروف الاستثنائية في الحالات المستعجلة. ولما كان موظفو أملاك الدولة قد اتخذوا من هذا البلاغ وسيلة للخروج في جميع معاملاتهم – حتى غير المستعجلة منها – عن مفهوم المرسوم التشريعي رقم 104 لسنة 1953 آنف الذكر، وهو الذي أعتبر رئيس المصالح الزراعية مرجعاً لجميع الدوائر المرتبطة بالوزارة – بما فيها دوائر أملاك الدولة – فقد اضطرت الوزارة إلى إصدار بلاغ لاحق تحت رقم 2628 – 14/ 3 في 30 من آذار (مارس) سنة 1958 ألغت به تعليماتها التي تضمنها البلاغ رقم 541 لسنة 1958، وأعادت بمقتضاه العمل بالتعليمات الواردة في البلاغ رقم 280 لسنة 1958، كما أصدرت بلاغاً آخر رقم 2626 – 14/ 3 في 30 آذار (مارس) سنة 1958 تنفيذاً لأحكام المادة 6 من المرسوم التشريعي رقم 104 لسنة 1953 بتوحيد الدواوين في المحافظات وتركيزها في ديوان واحد، وحصر جميع المخابرات في رئيس المصالح الزراعية وديوانه، على أن تحفظ تحت إشراف موظف مسئول عند توافر البناء الموحد، وأن يوقع رئيس الشعبة المختص الرسالة قبل توقيع رئيس المصالح الزراعية إياها، مع جواز أن يفوض هذا الرئيس رؤساء الشعب في توقيع المعاملات المستعجلة نيابة عنه. إلا أن موظفي أملاك الدولة تداعوا إلى عقد اجتماع فيما بينهم أدى إلى تقديم استدعاء إلى وزارة الزراعة بصورة جماعية في 25 من نيسان (إبريل) سنة 1958 اعترضوا فيه على البلاغين رقمي 2626 ص و2628 ص الصادرين في 30 من آذار (مارس) سنة 1958 بدعوى مخالفتهما لقوانين أملاك الدولة وأنظمتها المعمول بها، وتعارضهما مع طبيعة أعمالها واختصاصاتها، للأسباب التي أبدوها في هذا الاستدعاء سواء من الجهة القانونية أو من الوجهة العملية، وانتهوا إلى إعلان استمرارهم على إتباع الطريقة السابقة على صدور هذين البلاغين حتى يصدر نص تشريعي خاص يعدل القوانين والمراسيم التشريعية والأنظمة المعمول بها وقتذاك بالنسبة إلى أملاك الدولة، وينسجم مع أحكام البلاغين المذكورين ومع التعليمات الخاصة بالمرسوم رقم 104 لسنة 1953، وإزاء هذا أبرقت إليهم الوزارة في 30 من نيسان (إبريل) سنة 1958 طالبة التقيد بالبلاغين آنفي الذكر، وإلا كانوا مسئولين عن كل مخالفة لأحكامهما. بيد أنهم استمروا على الرغم من ذلك في إصرارهم على عدم التقيد بهما متصلين بالدوائر الأخرى مباشرة عن غير طريق رئيس المصالح الزراعية. ونظراً إلى موقفهم هذا وجهت الوزارة إلى كل منهم إنذاراً في 13 من آيار (مايو) سنة 1958 تحت رقم 4582/ 1/ 1 بوجوب تنفيذ أحكام البلاغين المشار إليهما وإلا اتخذت ضدهم أشد الإجراءات. وأصدرت في 12 من آيار (مايو) سنة 1958 قرارها رقم 317 بمعاقبتهم بحسم 10% من راتب كل منهم غير الصافي لمدة سنة واحدة، وأبلغتهم بذلك بين 21 و27 من الشهر عينه، كما فرضت عليهم في اليوم التالي، أي في 13 منه، عقوبة التوبيخ التي أبلغتهم بها بين 14 و18 من الشهر ذاته، ثم أصدرت في اليوم نفسه، أي في 13 من آيار (مايو) سنة 1958 القرار رقم 318 بإحالتهم إلى مجلس التأديب، وهو القرار الذي أبلغ إليهم بين 15 و21 منه، وعزت إليهم في هذا كله عدم إطاعتهم الأوامر والتمرد على الأنظمة المرعية ومخالفتهم أصول تقديم الشكاوي التي رسمها بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 3336/ 26330 الصادر في 29 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1951 وعدم تقيدهم بالبلاغات الصادرة من الوزارة وإصرارهم على الاستمرار في ارتكاب هذه المخالفات على الرغم من الإنذار الموجه إليهم في 13 من آيار (مايو) سنة 1958 بالكف عن ذلك. وقد صدر مجلس التأديب رقم 90/ 117 بجلسة 2 من آب (أغسطس) سنة 1958 بإبطال ترفيع كل من السيدين خالد جوخدار وأنطون مسوح، وتنزيل كل من المحللين الآخرين درجة واحدة من مرتبته، فطعن المحكوم عليهم في هذا القرار أمام محكمة التمييز التي أصدرت حكمها رقم 65 أساس 459 بجلسة 22 من كانون الثاني (يناير) سنة 1959 بنقض قرار مجلس التأديب المذكور لنقص في التحقيق والتعليل وبإعادة القضية إلى مجلس التأديب لإعادة محاكمتهم، فأصدر المجلس بجلسة 30 من نيسان (إبريل) سنة 1959 قراره المطعون فيه رقم 75 أساس 69/ 1959.
ومن حيث إنه يؤخذ مما تقدم أن وزارة الزراعة أوقعت على المدعين عقوبة الحسم من الراتب في 12 من أيار (مايو) سنة 1958 للمخالفات التي أسندتها إليهم، وأنها أنذرتهم في اليوم التالي، أي في 13 منه، بوجوب تنفيذ أحكام البلاغين موضوع المخالفة، ثم فرضت عليهم من أجل نفس الأفعال في اليوم عينه عقوبة التوبيخ مع إحالتهم في التاريخ ذاته إلى مجلس التأديب لاستمرارهم في ارتكاب المخالفات المذكورة وعدم إذعانهم إلى توجيهات الوزارة، وإن كانت عقوبة التوبيخ اللاحقة تاريخاً لعقوبة الحسم من الراتب قد بلغت إليهم في تاريخ سابق على تاريخ تبليغهم بهذه العقوبة الأخيرة وبقرار إحالتهم إلى مجلس التأديب.
ومن حيث إن دفاع المدعين يقوم أساساً على عدم جواز معاقبة الموظف تأديبياً أكثر من مرة في وقت واحد بعقوبتين أحداهما أشد من الأخرى من أجل فعل يكون ذنباً إدارياً واحداً، وعلى عدم جواز إحالة الموظف إلى مجلس التأديب بعد فرض عقوبة خفيفة عليه من قبل السلطة الإدارية، وعلى سقوط سند الإحالة إلى مجلس التأديب القائم على الإصرار على الاستمرار في المخالفة لكون الفاصل الزمني بين عقوبة الحسم وقرار الإحالة هو يوم واحد، ولعدم وجود فاصل زمني بين عقوبة التوبيخ وقرار الإحالة مما ينفي هذا الإصرار. وإذا كانت الوزارة قد سكتت أمام هذه المحكمة عن الرد على هذا الدفاع، فإنه قد سبق لها أن أبدت في لائحتها الجوابية أمام محكمة التمييز المؤرخة 10 من أيلول (سبتمبر) سنة 1958 أن من حقها فرض العقوبات الخفيفة كالتوبيخ والحسم متى شاءت حسب قانون الموظفين، وأنه لا علاقة للعقوبة التي يتخذها مجلس التأديب بعقوبة الوزارة، وليس ثمت نص قانوني يقضي بعدم جواز إحالة الموظف إلى مجلس التأديب بعد فرض عقوبة خفيفة عليه من قبل الإدارة.
ومن حيث إنه لا يجوز معاقبة الموظف عن الذنب الإداري الواحد مرتين بجزاءين أصليين لم ينص القانون صراحة على الجمع بينهما، أو بجزاءين لم يقصد باعتبار أحدهما تبعياً للآخر. وهذا من البداهات التي تقتضيها العدالة الطبيعية. ولذا كان من الأصول المسلمة في القانون الجزائي. فلا يجوز معاقبة المتهم عن جرم واحد مرتين، بل إن المتهم إذا أرتكب فعلاً يكون عدة جرائم أو جملة أفعال مرتبطة بعضها ببعض من أجل غرض واحد لا يعاقب عن كل فعل على حدة بعقوبة مستقلة، بل يعاقب بعقوبة واحدة على الفعل المكون للجريمة الأشد. وأياً كانت طبيعة الجزاء التأديبي الذي وقع أولاً، فإنه يجب ما عداه ما دام قد وقع بالفعل طبقاً للأوضاع القانونية الصحيحة. ولم يرد في المواد 24، 25 27 من قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لسنة 1945 أو في المادة 26 من المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 5 من شباط (فبراير) سنة 1950 بأحداث مجلس التأديب وأصول محاكمة الموظفين ما يخالف هذا الأصل. وهذا كله بمراعاة أن استمرار الموظف في إهماله أو في الإخلال بواجبات وظيفته – على الرغم من توقيع جزاء عليه عن هذا الإهمال أو الإخلال بالواجب في تاريخ أسبق – إنما هو مخالفة تأديبية جديدة يجوز مجازاته عنها مرة أخرى دون التحدي بسبق توقيع الجزاء الأول، متى كان هذا الجزاء عن إهماله في واجبات وظيفته حتى تاريخ سابق على ذلك. وهذا من البداهة التي لا تحتاج إلى تبيان، وهو الأصل المسلم كذلك بالنسبة إلى الجرائم المستمرة في مجال القانون الجزائي، والقول بغير ذلك يخل بالأوضاع ويعطل سير المرافق العامة، ويشجع الموظفين على الاستمرار في الإخلال بواجبات وظائفهم بحجة سبق توقيع جزاء حتى تاريخ معلوم. والاستمرار المقصود في هذه الحالة هو الحاصل بعد توقيع الجزاء الأول لا قبل ذلك.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن عقوبة الحسم من الراتب وعقوبة التوبيخ، وكذا عقوبة التنزيل في المرتبة وإبطال الترفيع التي قضى بها مجلس التأديب بقراره المطعون فيه، إنما فرضت جميعها على المدعين من أجل ذات الأفعال التي ارتكبوها في فترة زمنية واحدة، وآية ذلك أن تاريخ الوقائع المنسوبة إليهم وكذا وصفها واحد، وإنه لم يمض فاصل زمني ذو بال بين العقوبة الأولى والثانية، ولا فاصل قط بين هذه الأخيرة وقرار الإحالة إلى مجلس التأديب. هذا فضلاً عن أن الإحالة التي تمت بقرار السيد وزير الزراعة رقم 318 الصادر في 13 من أيار (مايو) سنة 1958 قد استندت إلى ما أفصح عنه السيد الوزير في كتابه رقم 8261 – 19/ 5 الموجه إلى مجلس التأديب في 10 من تموز (يولية) سنة 1958 من أن المحالين قد استمروا في ارتكاب المخالفات رغم الإنذار الموجه إليهم في 13 من أيار (مايو) سنة 1958، ولما كان تاريخ هذا الإنذار وتاريخ قرار الإحالة واحداً، فإن الاستمرار المقول به بالمعنى الموجب لتكرار العقاب يكون منتفياً. أما الاستمرار بعد ذلك – وهو الذي ينكره المدعون ولم تثبته الوزارة – فقد ورد عنه في قرار محكمة التمييز رقم 65 أساس 459 الصادر بجلسة 22 من كانون الثاني (يناير) سنة 1959 الذي نقضت به قرار مجلس التأديب الأول أنه لما "كان المميزون يثيرون أمام المجلس أنهم لم يمتنعوا عن تنفيذ البلاغ، بل تقيدوا به، وأبرز كل منهم وثيقة لإثبات مدعاة، وكان المجلس في قراره لم يتعرض لمناقشة هذا الدفع، ولم يبحث بقية الوثائق التي أبرزها المميزون، مما يجعل قراره ناقص التعليل من هذه الوجهة ومستوجب النقض". ومع ذلك فإن قرار مجلس التأديب موضوع الطعن قد بنى اقتناعه بالإدانة – دون تحقيق ما أشارت إليه محكمة التمييز – على إصرار المدعين "على عدم تنفيذ البلاغ رغم جميع المراسلات ورغم فرض العقوبات المسلكية الخفيفة عليهم من قبل الوزارة مباشرة كما هو ثابت بكتاب وزارة الزراعة رقم 8261 تاريخ 10 من تموز (يولية) سنة 1958". كما أنه ذهب إلى أن قيام الوزارة بفرض العقوبات الخفيفة على المحالين لا يحول دون إحالتهم إلى مجلس التأديب، لأن التمادي يؤلف زلة مسلكية مستمرة، ولما كان الاستمرار الذي عناه هذا القرار منتفياً، وازدواج العقوبة من أجل الفعل الواحد ممتنعاً، على نحو ما سلف إيضاحه، فإن القرار المذكور يكون والحالة هذه قد جانب الصواب ويتعين القضاء بإبطاله.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة في موضوع الطعن بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر من المجلس التأديبي في 30 من نيسان (إبريل) سنة 1959 رقم 75 رقم الأساس 69 سنة 1959، وألزمت الجهة الإدارية بالمصروفات.


[(1)] راجع الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 21 لسنة 2 القضائية بجلسة 26/ 4/ 1960 والمنشور بمجموعة السنة الخامسة العدد الثاني ص 814.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات