الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 595 لسنة 2 ق – جلسة 24 /11 /1956 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الأول (من أكتوبر سنة 1956 إلى آخر يناير سنة 1957) – صـ 91


جلسة 24 من نوفمبر سنة 1956

برياسة السيد/ السيد علي السيد – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل – المستشارين.

القضية رقم 595 لسنة 2 القضائية

( أ ) دعوى الإلغاء – المنازعة الإدارية، ولو كانت طعناً بالإلغاء، هي خصومة قضائية – المناط فيها هو قيام النزاع وقت رفعها، واستمراره إلى حين الفصل فيها – فقدان هذا الركن وقت رفع الدعوى – الحكم بعدم قبولها – فقدان هذا الركن أثناء نظرها – الحكم باعتبار الخصومة منتهية.
(ب) دعوى الإلغاء – الخصومة فيها تقوم على اختصام القرار الإداري والحكم الصادر بإلغائه يكون حجة على الكافة – دعوى غير الإلغاء – الخصومة فيها ذاتية والحكم الصادر فيها له حجية نسبية – اشتراك دعوى الإلغاء ودعوى غير الإلغاء في أنهما خصومة قضائية مناطها قيام النزاع واستمراره.
(جـ) دعوى الإلغاء – خضوعها للقواعد العامة المقررة في قانون المرافعات في شأن ترك الخصومة وتسليم المدعى عليه بطلبات المدعي، متى توافرت الشروط القانونية المطلوبة، وأياً كان مدى الترك أو التنازل أو التسليم.
1- من المسلمات في فقه القانون الإداري أن المنازعة الإدارية، ولو كانت طعناً بالإلغاء، هي خصومة قضائية مناطها قيام النزاع الذي هو جوهرها واستمراره بين طرفيها، فإن هي رفعت مفتقرة إلى هذا الركن كانت من الأصل غير مقبولة، وإن هي رفعت متوافرة عليه ثم افتقدته خلال نظرها أصبحت غير ذات موضوع ووجب القضاء باعتبارها منتهية، لا فرق في ذلك بين دعوى الإلغاء ودعوى غير الإلغاء.
2- لئن تميزت دعوى الإلغاء بأنها خصومة عينية تقوم على اختصام القرار الإداري، وأن الحكم الصادر فيها بإلغائه بهذه المثابة يكون حجة على الكافة، بينما دعوى غير الإلغاء هي خصومة ذاتية يكون للحكم الصادر فيها حجية نسبية مقصورة على أطرافه، إلا أن كلاً الدعويين لا تخرجان عن كونهما خصومة قضائية مبناها قيام النزاع واستمراره.
3- من المسلم في الفقه والقضاء الإداري الفرنسي أن المنازعة الإدارية، ولو كانت طعناً بالإلغاء قد تنتهي بالترك (désistement) أو بتسليم المدعى عليه بطلبات المدعي (acquiescement) متى توافرت الشروط القانونية المطلوبة، وينتج الترك أو التسليم أثره فيها في الحدود التي عينها القانون بحسب ما إذا كان الترك منصباً على إجراءات الخصومة فقط، كلها أو بعضها، أو كان تنازلاً عن الحق ذاته المرفوعة به الدعوى أو الصادر به الحكم، وبحسب ما إذا كان تسليم المدعى عليه للمدعي هو تسليم بكل طلباته أو بعضها، أو تنازل عن طريق أو آخر من طرق الطعن في الحكم الذي يصدر في المنازعة، وأيا كان مدى الترك أو التنازل أو التسليم؛ فمن المسلم أن مهمة القاضي عندئذ لا تعدو أن تكون إثبات ذلك، نزولاً على حكم القانون في هذا الخصوص دون التصدي للفصل في أصل النزاع الذي أصبح غير ذي موضوع. وإذا كان ما تقدم هو المسلم في الفقه والقضاء الإداري الفرنسي كأصل من الأصول العامة على الرغم من أنه لم يرد في قانون مجلس الدولة الفرنسي نص خاص في هذا الشأن، فإنه يكون أولى بالإتباع في مصر؛ إذ أحالت المادة 74 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة إلى تطبيق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص خاص، وقد تكلم هذا القانون في المواد من 308 إلى 312 عن ترك الخصومة وعن النزول عن الحكم وعن الحق الثابت فيه، كما تكلم في المادة 377 عن عدم جواز الطعن في الحكم ممن قبله، فقرر أحكاماً تعتبر في الواقع من الأمر ترديداً لتلك الأصول العامة.


إجراءات الطعن

في 25 من فبراير سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (هيئة ثالثة) بجلسة 29 من ديسمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 6080 لسنة 8 القضائية المرفوعة من وزارة المواصلات ضد عبد المنعم محمد قريش، القاضي: "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وبرفض التظلم، وألزمت المدعى عليه بالمصروفات وبمبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة"، وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء باعتبار الخصومة منتهية، وإلزام الحكومة المصروفات". وأعلنت الجهة الإدارية بالطعن في 16 من مايو سنة 1956، وأعلن به الخصم في 24 من مايو سنة 1956، ثم عين لنظر الطعن جلسة 2 من يونيه سنة 1956، وفيها سمعت المحكمة إيضاحات الطرفين على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة 23 من يونيه سنة 1956، ثم أعيدت القضية للمرافعة لجلسة 6 من أكتوبر سنة 1956، وأرجئ إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة الإدارية، حسبما يستفاد من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون لصالحه تقدم إلى اللجنة القضائية لوزارة المواصلات بالتظلم رقم 6587 لسنة 1 القضائية أبان فيه أنه يشغل الدرجة الرابعة بالكادر الفني العالي بهندسة السكك الحديدية، ثم خلت درجة ثالثة وكان هو أقدم من يشغلون الدرجة الرابعة بالكادر الفني العالي بالقسم المذكور، إلا أنه رقي إلى هذه الدرجة سامي يوسف اعتباراً من أول أغسطس سنة 1953 مع أنه أحدث منه، وطلب الحكم بإلغاء القرار الوزاري رقم 125 الصادر في 11 من أغسطس سنة 1953 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية، فردت مصلحة السكك الحديدية على التظلم بأن المدعي يحمل مؤهلاً فنياً متوسطاً (دبلوم الفنون والصناعات)، فترقيته من الدرجة الرابعة إلى الدرجة الثالثة تحكمها المادة 41 من القانون رقم 210 لسنة 1951، وقد رقي سامي يوسف باعتباره أقدم الموظفين الشاغلين للدرجة الرابعة من حملة المؤهلات العالية. وفي 9 من نوفمبر سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قراراً "بإلغاء القرار رقم 125 الصادر في 11 من أغسطس سنة 1953 بترقية السيد المهندس سامي يوسف إلى الدرجة الثالثة فيما تضمنه من تخطي السيد عبد المنعم محمد قريش مع ما يترتب على ذلك من آثار". وأسست اللجنة قرارها على "أنه يبين واضحاً من نص المادة 41 من القانون رقم 210 لسنة 1951، أنه صدر منظماً للشروط الواجب توافرها لجواز ترقية الموظفين الذين يشغلون درجات في الكادر الفني المتوسط وقت صدور القانون إلى الدرجة التالية في الكادر الفني العالي وما يتبع في شأنهم بعد ذلك عند الترقية إلى درجات أعلى بحيث تلازمهم الشروط عند الترقي إلى درجات أعلى فهو بهذه المثابة لا يجري حكمه إلا على هذه الفئة بالذات ولا يتعداه إلى غيرها ويخرج بذلك عن نطاق تطبيقه جميع الموظفين الذين يشغلون درجات في الكادر الفني العالي سواء أكانوا من الحاصلين على شهادة متوسطة أم عالية". وبصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في أول إبريل سنة 1954 طعنت وزارة المواصلات في قرار اللجنة القضائية طالبة إلغاءه، وإلزام المطعون عليه بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة؛ وبنت طعنها على أن المادة 41 من القانون رقم 210 لسنة 1951 هي التي تحكم ترقية المدعي؛ لأنه يحمل مؤهلاً فنياً متوسطاً. ثم طلب المدعي في مذكرته الختامية المقدمة لمحكمة القضاء الإداري الحكم باعتبار الخصومة منتهية؛ لأن مصلحة السكك الحديدية قد نفذت قرار اللجنة القضائية بحذافيره في الوقت الذي لم تكن ملزمة فيه بذلك؛ لأنها كانت طعنت في هذا القرار في الميعاد وهذا يعتبر من جانب المصلحة قبولاً لقرار اللجنة القضائية وإنهاء للخصومة، وقد قضت محكمة القضاء الإداري بحكمها الصادر في 29 من ديسمبر سنة 1955 "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وبرفض التظلم، وألزمت المدعى عليه بالمصروفات وبمبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأسست قضاءها على "أن مهمة المحكمة وهي تنظر في المنازعة الإدارية أن تنزل حكم القانون عليها بغض النظر عن تصرفات الجهة الإدارية في شأنها. فإن رأت بعد البحث أن تصرف الجهة الإدارية جاء متفقاً مع القانون أقرته، وإن رأت أنه خالف القانون ألغته. وليس الأمر كما يقول المدعى عليه من أن مجرد تصرف صدر من الجهة الإدارية ينهي المنازعة؛ وذلك لأن ما يقوله إن كان يصلح في نطاق القانون الخاص فإنه لا يعتد به في نطاق القانون العام؛ ومن ثم فلا ترى المحكمة إجابة المدعى عليه إلى ما طلبه من اعتبار الخصومة منتهية، خصوصاً وأن الحكومة وهي المدعية لم تطلب هذا ولم تتنازل عن الدعوى". وقد طعن السيد رئيس هيئة المفوضين في هذا الحكم؛ استناداً إلى أن المنازعة الإدارية – ولو كانت طعناً بالإلغاء – هي خصومة قضائية تنتهي بانتهاء هذه المنازعة. وما دامت المصلحة قد قبلت قرار اللجنة القضائية ونفذته تنفيذاً كاملاً بترقية المدعي إلى الدرجة الثالثة اعتباراً من 30 من يوليه سنة 1953 وهو تاريخ ترقية السيد/ سامي يوسف المطعون في ترقيته مع رفع ماهية المتظلم اعتباراً من أول أغسطس سنة 1953 كنتيجة لهذه الترقية، فإن الخصومة تعتبر – والحالة هذه – منتهية بعد أن زال النزاع، ويكون الحكم المطعون فيه إذ ذهب غير هذا المذهب قد خالف القانون.
ومن حيث إن مندوب مصلحة السكك الحديدية أصر أمام هذه المحكمة بجلسة 2 من يونيه سنة 1956 على أن الخصومة قد انتهت بعد أن قبلت المصلحة قرار اللجنة القضائية ونفذته، وقد رأت المحكمة التحقق مما إذا كان هذا القبول قد صدر ممن يملكه، وقد جاء كتاب مصلحة السكك الحديدية المؤرخ 6 من أغسطس سنة 1956 صريحاً في أنه صدر من المدير العام للمصلحة وهو يملك ذلك.
ومن حيث إنه من المسلمات في فقه القانون الإداري أن المنازعة الإدارية، ولو كانت طعناً بالإلغاء، هي خصومة قضائية مناطها قيام النزاع الذي هو جوهرها واستمراره بين طرفيها، فإن هي رفعت مفتقرة إلى هذا الركن كانت في الأصل غير مقبولة، وإن هي رفعت متوافرة عليه ثم افتقدته خلال نظرها أصبحت غير ذات موضوع ووجب القضاء باعتبارها منتهية، لا فرق في ذلك بين دعوى الإلغاء ودعوى غير الإلغاء؛ لأنه ولئن تميزت دعوى الإلغاء بأنها خصومة عينية تقوم على اختصام القرار الإداري وأن الحكم الصادر فيها بإلغائه يعدمه، وبهذه المثابة يكون حجة على الكافة، بينما دعوى غير الإلغاء هي خصومة ذاتية يكون للحكم الصادر فيها حجية نسبية مقصورة على أطرافه، إلا أن كلا الدعويين لا تخرجان عن كونهما خصومة قضائية مبناها – كما سلف القول – قيام النزاع واستمراره؛ ولذا فمن المسلم في الفقه والقضاء الإداري الفرنسي أن المنازعة الإدارية، ولو كانت طعناً بالإلغاء، قد تنتهي بالترك (désistement) أو بتسليم المدعى عليه بطلبات المدعي (acquiescement) متى توافرت الشروط القانونية المطلوبة، وينتج الترك أو التسليم أثره فيها في الحدود التي عينها القانون بحسب ما إذا كان الترك منصباً على إجراءات الخصومة فقط، كلها أو بعضها، أو كان تنازلاً عن الحق ذاته المرفوعة به الدعوى أو الصادر به الحكم، وبحسب ما إذا كان تسليم المدعى عليه للمدعي هو تسليم بكل طلباته أو بعضها، أو تنازل عن طريق أو آخر من طرق الطعن في الحكم الذي يصدر في المنازعة. وأياً كان مدى الترك أو التنازل أو التسليم فمن المسلم أن مهمة القاضي عندئذ لا تعدو أن تكون إثبات ذلك؛ نزولاً على حكم القانون في هذا الخصوص، دون التصدي للفصل في أصل النزاع الذي أصبح غير ذي موضوع. وإذا كان ما تقدم هو المسلم في الفقه والقضاء الإداري الفرنسي كأصل من الأصول العامة على الرغم من أنه لم يرد في قانون مجلس الدولة الفرنسي نص خاص في هذا الشأن، فإنه يكون أولى بالإتباع في مصر؛ إذ أحالت المادة 74 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة إلى تطبيق أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد فيه نص خاص، وقد تكلم هذا القانون في المواد من 308 إلى 312 عن ترك الخصومة وعن النزول عن الحكم وعن الحق الثابت فيه، كما تكلم في المادة 377 عن عدم جواز الطعن في الحكم ممن قبله، فقرر أحكاماً تعتبر في الواقع من الأمر ترديداً لتلك الأصول العامة.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم كله أنه بعد إذ قبل المدير العام لمصلحة السكك الحديدية قرار اللجنة ونفذه تنفيذاً كاملاً، وأصر مندوب المصلحة على ذلك، فإن الخصومة تعتبر والحالة هذه منتهية، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضي بغير ذلك قد خالف القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار الخصومة منتهية، وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات