الطعن رقم 753 لسنة 37 ق – جلسة 12 /06 /1967
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة الثامنة عشرة – صـ 792
جلسة 12 من يونيه سنة 1967
برياسة السيد المستشار/ عادل يونس رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: جمال المرصفاوي، ومحمد عبد الوهاب خليل، ومحمود العمراوي، ومحمود عطيفة.
الطعن رقم 753 لسنة 37 القضائية
(أ، ب، ج) مسئولية جنائية. مسئولية إدارية. عقوبة. "العقوبة التأديبية.
العقوبة الجنائية. الجمع بينهما". قوة الشيء المحكوم فيه.
(أ) لكل من المسئولية الإدارية والمسئولية الجنائية مجال وجهة اختصاص.
(ب) مجازاة الموظف بصفة إدارية أو توقيع عقوبة تأديبية عليه. لا يحول أيهما دون محاكمته
جنائيا. اختلاف الدعويين الجنائية والتأديبية. القضاء في الدعوى التأديبية لا يحوز
قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة للدعوى الجنائية.
(ج) وجوب توقيع عقوبة العزل من الوظيفة عن جريمة الاختلاس بوصفها عقوبة جنائية تكميلية.
لا يؤثر في ذلك سبق مجازاة الموظف إداريا.
1 – لا تنافر إطلاقا بين المسئولية الإدارية والمسئولية الجنائية فكل يجري في فلكه
وله جهة اختصاصه غير مقيد بالأخرى.
2 – من المقرر أن مجازاة الموظف بصفة إدارية أو توقيع عقوبة عليه من مجلس التأديب عن
فعل وقع منه. لا يحول أيهما دون إمكان محاكمته أمام المحاكم الجنائية بمقتضى أحكام
القانون العام عن كل جريمة يتصف بها هذا الفعل، وذلك لاختلاف الدعويين الجنائية والتأديبية
بما لا يمكن معه أن يحوز القضاء في الدعوى التأديبية قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة
للدعوى الجنائية.
3 – لا يؤثر في وجوب الحكم بالعزل من الوظيفة عن جريمة الاختلاس سبق مجازاة المتهم
إداريا عن خطأ إداري ناشئ من الفعل ذاته لأن عقوبة العزل عقوبة تكميلية مقررة في القانون
عن جناية الاختلاس عملاً بالمادة 118 من قانون العقوبات والمحكمة الجنائية ملزمة بتوقيعها
وهي تختلف في طبيعتها كعقوبة جنائية عن الجزاء الإداري الموقع من الجهة الإدارية.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في خلال شهر يوليه سنة 1957 بدائرة مركز محافظة الجيزة: بوصفه موظفا عموميا "أمين مخزن الهندسة الميكانيكية بوزارة الزراعة" اختلس 1115 بشبوري مملوكة لوزارة الزراعة ومسلمة إليه بسبب وظيفته. طلبت من مستشار الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته طبقا للقيد والوصف الواردين بتقرير الاتهام، فقرر بذلك. ومحكمة جنايات الجيزة قضت حضوريا في 3 نوفمبر سنة 1966 عملاً بالمواد 111/ 1 و112/ 1 – 2 و118 و119 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم بالسجن مدة ثلاث سنوات وبغرامة قدرها 500 جنيه و422 مليما وبعزله من وظيفته وإلزامه برد مبلغ 500 جنيه و422 مليما قيمة ما اختلسه. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض….. الخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن على الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجناية
اختلاس أموال أميرية سلمت إليه بصفته موظفا عموميا وأمينا على الودائع قد انطوى على
بطلان في الإجراءات أثر فيه وعلى خطأ في القانون، ذلك بأن النيابة الإدارية أحالت الأوراق
إلى النيابة العامة لتحقيق واقعة ادعاء الطاعن تزوير إمضائه على إذن صرف الأموال محل
الاختلاس فكان عليها أن تلتزم صريح أمر الإحالة وتعيد الأوراق إلى مصدرها لمحاكمة الطاعن
تأديبيا ولا تجاوزه إلى إقامة الدعوى الجنائية قبله عن جريمة الاختلاس حتى لو ثبت صحة
توقيعه على الإذن. هذا إلى أن العهدة موضوع الإذن من المثليات ولم تسلم إلى الطاعن
بحكم وظيفته حتى يسأل عنها جنائيا وإنما كانت محل تعامل شخصي بينه وبين شاهد الإثبات
الموظف جرجس فريد خارج نطاق وظيفتهما وقد جوزي الطاعن إداريا عن استلامها على خلاف
أحكام لائحة المخازن والتعليمات الوزارية بلفت النظر مع النقل إلى جهة أخرى ومن ثم
فما كان يجوز من بعد محاكمته عن نفس المخالة جنائيا وفي توقيع الجزاء الجنائي بما فيه
عقوبة العزل تكرار للجزاء عن نفس المخالفة، هذا إلى أن الطاعن وقع عدة أذونات مما كان
يتعين معه أن تشملها المحاكمة كلها وتنصرف العقوبة إليها جميعا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما مجمله أن جرجس فريد صليب الموظف بوزارة
الزراعة قام بنقل بعض المهمات من مخازن مصلحة وقاية المزروعات إلى مخازن الهندسة الزراعية
التي كان الطاعن أمينا لها وقد تسلمها منه بإذن صرف مؤرخ 13 يوليه سنة 1957 وكان من
بين محتوياتها 1115 (بشبوري) ووقع الطاعن بإمضائه مقرا بالاستلام واعترف بتوقيعه إلا
أنه احتبس الأدوات المذكورة من المهمات لنفسه بنية اختلاسها فلم يودعها مخزن الهندسة
للوزارة حالة كونه أمينا على الودائع ولم يثبتها في الدفاتر المعدة لذلك وقد ثبت من
خطاب مصلحة وقاية المزروعات أن ثمنها بما في ذلك المصاريف الإدارية وقدرها عشرة في
المائة يبلغ خمسمائة جنيه وأربعمائة وأثنى وعشرين مليما وأورد الحكم على ثبوت الواقعة
لديه على هذه الصورة ما ينتجه من وجوه الأدلة التي استمدها من أقوال جرجس حبيب فريد
واعتراف الطاعن بتوقيعه بالإستلام وما يثبت من الإطلاع على دفتر البوابة وتصريح خروج
هذه الأصناف منه ومن تقدير ثمنها بخطاب مصلحة وقاية المزروعات واستظهر الحكم في جلاء
من خلال هذه الأدلة أن الأصناف المختلسة هي مهمات أميرية مملوكة لوزارة الزراعة سلمت
للطاعن بحكم وظيفته بمقتضى إذن الصرف المشار إليه والموقع عليه بإمضائه التي أقر بها
وأنه عمد إلى إختلاسها لنفسه ولم يقم بإيداعها بالمخزن المعد لذلك وهو أمين عليه. لما
كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد دفاع الطاعن ببطلان الإجراءات بقوله: "وحيث
إن المتهم أنكر التهمة مقررا….. أن التسليم إن صح قد تم خارج المخزن ولا يعتد به
لأن ذلك مخالف للتعليمات وإن التحقيق فيه كان يتعين أن يكون من إختصاص النيابة الإدارية
وتبعا لذلك تتم محاكمته تأديبا" ثم رد الحكم على هذا الدفاع بقوله "أنه مردود بأن النيابة
الإدارية تولت التحقيق أولا وأسفر تحقيقها عن أن في الأمر جريمة اختلاس صاحبة الدعوى
فيها هي النيابة العامة وأما المخالفات الإدارية الخاصة بالتسليم والتسلم خارج المصلحة
فهذا أمر آخر لا شأن له بالدعوى الجنائية". وما أورده الحكم في ذلك صحيح في القانون،
ذلك بأن الأصل أنه وإن كان القانون التأديبي مستقلا عن قانون العقوبات لاختلاف ذاتية
كل منهما وتغاير مجال تطبيقه فإن الفعل الواحد قد ينشأ عنه خطأ تأديبي يستوجب المساءلة
التأديبية وفعل جنائي مؤثم قانونا في الوقت نفسه والاختلاس باعتباره إخلالا بواجبات
الوظيفة العامة ومخالفة لأحكام قانون العقوبات يجمع بين الخطأ التأديبي والجريمة. وحينئذ
تتعاون قوى الدولة بجهازيها الإداري والقضائي لمكافحة تلك الجريمة لا يستقل أحدهما
بالاختصاص دون الآخر، وهذا الاعتبار هو ما كان موضوع نظر الشارع حين نص في المادة 17
من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية
في الإقليم المصري المعدل بالقانونين رقم 59 لسنة 1959 ورقم 82 لسنة 1962 على أنه إذا
أسفر التحقيق عن وجود جريمة جنائية أحالت النيابة الإدارية الأوراق إلى النيابة العامة
وتتولى النيابة العامة التصرف في التحقيق واستيفائه إذا تراءى لها ذلك على أن يتم ذلك
على وجه السرعة" مما يفصح عن إمكان بلوغ الخطأ التأديبي مبلغ الجريمة. وبالتالي فإنه
لا تثريب على النيابة العامة إذا أقامت الدعوى الجنائية قبل المتهم لمحاكمته على ما
أسند إليه من فعل يكون في نفس الوقت مخالفة إدارية دون أن تكون مقيدة في ذلك برأي النيابة
الإدارية ولا بما تتخذه من إجراءات تأديبية قبل المتهم إذ لا تنافر إطلاقا بين المسئولية
الإدارية والمسئولية الجنائية فكل يجري في فلكه وله جهة اختصاصه غير مقيد بالأخرى كما
تقدم القول، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون له محل. لما كان ذلك،
وكان الأصل أنه لا يؤثر في وجوب الحكم بالعزل من الوظيفة عن جريمة الاختلاس سبق مجازاة
المتهم إداريا عن خطأ إداري ناشئ عن الفعل ذاته. لأن عقوبة العزل هي عقوبة تكميلية
مقررة في القانون عن جناية الاختلاس عملاً بالمادة 118 من قانون العقوبات والمحكمة
الجنائية ملزمة بتوقيعها وهي تختلف في طبيعتها كعقوبة جنائية عن الجزاء الإداري الموقع
من الجهة الإدارية. لما كان ذلك، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون على غير أساس.
ولا محل للتحدي بدعوى تكرار الجزاء عن الفعل ذاته، إذ أنه من المقرر أن مجازاة الموظف
بصفة إدارية أو توقيع عقوبة عليه من مجلس التأديب عن فعل وقع منه لا يحول أيهما دون
إمكان محاكمته أمام المحاكم الجنائية بمقتضى أحكام القانون العام عن كل جريمة يتصف
بها هذا الفعل وذلك لاختلاف أساس الدعويين الجنائية والتأديبية مما لا يمكن معه أن
يجوز القضاء في الدعوى التأديبية قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة إلى الدعوى الجنائية.
لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن من توقيعه على عدة أذونات أخرى مما كان يقتضي أن
تشملها المحاكمة جميعا وتنصرف العقوبة إليها كلها، مردودا بأن محاضر جلسات المحاكمة
خلت من هذا الدفاع أو التمسك به ومن ثم فلا يعيب الحكم سكوته عن دفاع لم يثر أمام المحكمة.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.
