الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 484 سنة 27 ق – جلسة 25 /06 /1957 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الثانى – السنة 8 – صـ 717

جلسة 25 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد مصطفى فاضل وكيل المحكمة، وبحضور السادة: حسن داود، ومحمود ابراهيم اسماعيل، وفهيم يسى جندى، وأحمد زكى كامل المستشارين.


الطعن رقم 484 سنة 27 القضائية

(أ) مسئولية جنائية. مناط مسئولية المتهم عن النتائج المحتملة لعمله.
(ب) مسئولية جنائية. مسئولية المتهم عن النتيجة المحتملة. تقرير المادة 43 ع لقاعدة عامة رغم ورودها فى باب الاشتراك.
(جـ) ضرب. ضرب أفضى إلى الموت. حصول الوفاة نتيجة هبوط القلب المفاجئ عقب إعطاء حقنة بنسلين بسبب حساسية خاصة بجسم المجنى عليه. عدم وجود مظاهر خارجية تنم عنها. عدم تحميل المتهم مسئولية وفاة المجنى عليه.
(د) ضرب. ضرب أفضى إلى الموت. انتهاء المحكمة إلى عدم تحميل المتهم بجريمة الضرب المفضى إلى الموت مسئولية وفاة المجنى عليه. وجوب مساءلته عن جريمة إحداث الجرح البسيط.
(هـ) تعدد الجرائم. ضرب. مهن طبية. ارتكاب المتهم جريمتى إحداث الجرح ومزاولة مهنة الطب بدون ترخيص بفعل واحد. وجوب اعتبار الجريمة الأشد والحكم بعقوبتها دون غيرها. م 32 ع.
1 – الأصل أن المتهم لا يسأل عن الفعل الذى ارتكبه أو اشترك فى ارتكابه متى وقع ذلك الفعل، إلا أن الشارع وقد توقع حصول نتائج غير مقصودة لذاتها وفقا للمجرى العادى للأمور خرج عن ذلك الأصل وجعل المتهم مسئولا عن النتائج المحتملة لعمله متى كان فى مقدوره أو كان من واجبه أن يتوقع حصولها على أساس أن إرادة الفاعل لابد وأن تكون قد توجهت نحو الفعل ونتائجه الطبيعية.
2 – إن المادة 43 من قانون العقوبات وإن وردت فى باب الاشتراك إلا أنها جاءت فى باب الأحكام الابتدائية فدل الشارع بذلك وبعبارتها الصريحة المطلقة أنها إنما تقرر قاعدة عامة هى أن تحديد مناط تقدير الاحتمال إنما يكون بالنظر إلى الجريمة التى اتجهت إليها إرادة الفاعل أولا وبالذات وما يحتمل أن ينتج عنها عقلا وبحكم المجرى العادى الأمور.
3 – متى كانت الوفاة حصلت نتيجة هبوط القلب المفاجئ عقب إعطاء حقنة البنسلين – بسبب حساسية المجنى عليها وهى حساسية خاصة بجسم المجنى عليها – كامنة فيه – وليس هناك أية مظاهر خارجية تتم عنها أو تدل عليها – ولم يتحوط لها الطب حتى اليوم ولا سلطان له عليها، فإن المحكمة لا تكون قد أخطأت إن هى لم تحمل المتهم المسئولية عن وفاة المجنى عليها.
4 – متى كانت المحكمة قد انتهت إلى عدم تحميل المتهم بجريمة الجرح المفضى إلى الموت المسئولية عن وفاة المجنى عليها فإن هذا النظر لا يترتب عليه براءة المتهم جملة بل كل ما ينتج عنه هو أن لا يسأل عن النتيجة وتظل مسئوليته قائمة فى خصوص إحداث الجرح البسيط.
5 – متى كانت جريمتا إحداث الجرح البسيط ومزاولة مهنة الطب بدون ترخيص قد وقعتا بفعل واحد – هو إجراء عملية الحقن – وإن تعددت أوصافه القانونية – فإن ذلك يقتضى اعتبار الجريمة التى عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها طبقا للفقرة الأولى من المادة 32 من قانون العقوبات وهى هنا عقوبة إحداث الجرح.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة محمدى السعيد راشد بأنه: أولا – جرح سهير محروس حفنى عمدا ولم يقصد من ذلك قتلها بل حقنها بحقنة تحتوى على مادة البنسلين وهو غير مصرح له بمزاولة مهنة الطب فحدثت لها صدمة عصبية على الوجه المبين بتقريرى الصفة التشريحية والمعامل الكيماوية مما أدى إلى موتها وكان ذلك مع سبق الإصرار. وثانيا – زوال مهنة الطب بأن أبدى مشورة طبية ووصف دواء وعلاج المجنى عليها سالفة الذكر بأن حقنها بحقنة تحتوى على مادة البنسلين ووضع دواء فى أذنها وهو غير مصرح له بمزاولة هذه المهنة قانونا وطلبت عقابه بالمواد 236/ 1 – 2 من قانون العقوبات 1 و10/ 1 – 3 من القانون رقم 415 سنة 1954. ومحكمة بلبيس الجزئية قضت حضوريا عملا بمواد الاتهام بالنسبة للمتهمة الثانية أولا ببراءة المتهم من التهمة الأولى. وثانيا – بحبس المتهم شهرين مع الشغل وكفالة 500 قرش لوقف التنفيذ عن التهمة الثانية ونشر الحكم مرة فى جريدتى الأخبار والجمهورية على نفقة المتهم. استأنفت النيابة وكذا المحكوم عليه هذا الحكم. ومحكمة الزقازيق الابتدائية قضت حضوريا بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به بالنسبة للتهمة الأولى وبتعديله بالنسبة للتهمة الثانية والاكتفاء بحبس المتهم شهرا واحدا مع الشغل وتأييده فيما عدا ذلك بالنسبة لهذه التهمة بلا مصروفات جنائية. فقرر الطاعن والنيابة العامة الطعن فى هذا الحكم بطريق النقض…. الخ.


المحكمة

حيث إن الحكم المطعون فيه صدر فى 30 من يناير سنة 1957 فلم يطعن فيه المتهم (محمدى السعيد راشد) إلا فى 18 من فبراير سنة 1957 أى بعد ثمانية عشر يوما المقررة للطعن محسوبة من يوم صدور الحكم كما قدم الأسباب فى يوم 23 من فبراير سنة 1957 ولم يحصل الطاعن على شهادة دالة على عدم إيداع الحكم قلم الكتاب فى الميعاد المحدد – فيكون طعنه قد حصل بعد الميعاد ويتعين الحكم بعدم قبوله شكلا.
وحيث إن مبنى طعن النيابة أن الحكم المطعون فيه إذ قضى بتأييد حكم محكمة أول درجة ببراءة الطاعن تأسيسا على انعدام رابطة السببية بين فعل المتهم ووفاة المجنى عليها – قد أخطأ فى تطبيق القانون وتأويله على الواقعة كما صار إثباتها فى الحكم. ذلك بأن حساسية المجنى عليها الخاصة بمادة البروكين هى حالة مرضية بها عمل المتهم على تحريكها بعلاج المجنى عليها وإجراء عملية حقنها بالبنسلين المخلوط بالبروكين فيسأل عن موتها. وكان عليه أن يتوقع النتيجة – وهى مسئولية مفترضة قانونا – وبهذا تكون السببية قائمة فلولا إجراء عملية الحقن لما ظهرت حالة الحساسية ولما حصلت الوفاة.
وحيث إن واقع الحال فى الدعوى أن النيابة العامة رفعت الدعوى ضد المتهم بأنه (أولا) جرح سهير محروس حفنى عمدا ولم يقصد من ذلك قتلا بل حقنها بحقنة تحتوى على مادة البنسلين وهو غير مصرح له بمزاولة مهنة الطب فحدثت لها صدمة عصبية على الوجه المبين بتقريرى الصفة التشريحية والمعامل الكيماوية مما أدى إلى موتها وكان ذلك مع سبق الاصرار (وثانيا) زاول مهنة الطب بأن أبدى مشورة طبية ووصف دواء وعالج المجنى عليها وهو غير مصرح له بمزاولة المهنة قانونا. وطلبت عقابه بالمادة 236/ 1 – 2 من قانون العقوبات والمادتين 1 و10/ 1 – 3 من القانون رقم 415 لسنة 1954 وفى 27 من ديسمبر سنة 1955 قضت محكمة بلبيس الجزئية ببراءة المتهم من التهمة الأولى. وحبسه شهرين مع الشغل وكفالة 200 قرش لإيقاف التنفيذ عن التهمة الثانية ونشر الحكم مرة فى جريدتى الأخبار والجمهورية على نفقة المتهم وجاء فى أسباب الحكم – فى مقام التدليل على براءة المتهم من التهمة الأولى بعد استعراض وقائع الدعوى وشهادة الشهود ما نصه " إتضح للمحكمة من الوقائع الآنفة البيان أن شهود الإثبات ضمنوا أقوالهم أن المتهم حقن المجنى عليها فى فخذها الأيمن بحقنة بنسلين وأثبت الطبيب الشرعى فى تقريره أنه وجد وخزة حديثة " بالالية اليمنى" وهى أثر حقنة أعطيت للمجنى عليها فى وقت يتفق مع ما شهد به الشهود وأن الوفاة نتجت من هبوط القلب المفاجئ عقب الحقنة وأورد تقرير المعمل الكيماوى وبأقواله بالجلسة أن سبب الوفاة المباشر هو حساسية خاصة لمادة البروكين التى تخلط ببودرة البنسلين ولا يمكن لأى شخص معرفة حساسية المريض عند إعطائه حقنة البنسلين لأن هذه الحساسية خاصة بجسم المريض وليس لها مظاهر خارجية تدل عليها – وأن حالة المجنى عليها الظاهرية من إصابة الأذن تشير إلى علاجها بالبنسلين دون استشارة طبيب وأن الحالة التى حدثت بالمجنى عليها عقب الحقنة ليس فى استطاعة الطب منع الوفاة نتيجة الحساسية الأمر الذى تخلص منه المحكمة إلى أنه بالرغم من أن المتهم حقن المجنى عليها بحقنة البنسلين وأن حالة المجنى عليها المرضية تشير إلى مثل هذا العلاج فإن الثابت من أقوال الشهود أن المجنى عليها توفيت أثر حقنها بالحقنة مما يؤيد ما شهد به الطبيب الشرعى وما ضمنه تقريره بأن الوفاة نتيجة حساسية المجنى عليها لمادة البروكين المخلوطة ببودرة البنسلين لأن رابطة السببية بين إعطاء الحقنة والوفاة منعدمة لأنه لا يمكن فى استطاعة المتهم أو غيره من الفنيين توقع هذه الحالة والنتيجة التى ترتبت عليها بوفاة المجنى عليها ولا يفترض معرفة المتهم لهذه النتيجة لأن الوفاة حدثت عن حالة مرضية لم يكن يتوقعها المتهم ولا غيره من الفنيين – وحيث أنه أزاء ما انتهت إليه المحكمة إلى أن المتهم لا يعتبر مسئولا عن التهمة الأولى فيتعين القضاء ببراءته منها". فاستأنفت النيابة الحكم كما استأنفه المتهم وفى 30/ 1/ 1957 قضت محكمة ثانى درجة بقبول الاستئنافين شكلا وفى الموضوع برفضهما وتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به بالنسبة للتهمة الأولى وتعديله بالنسبة للتهمة الثانية. والاكتفاء بحبس المتهم شهرا واحدا مع الشغل وتأييده فيما عدا ذلك واستند الحكم الاستئنافى فى قضائه إلى ذات الأسباب التى أوردها الحكم الابتدائى وقد سبق الإشارة إليها من قبل.
وحيث إنه وإن كان الأصل فى المسائل الجنائية أن المتهم لا يسأل إلا عن الفعل الذى ارتكبه أو اشترك فى ارتكابه متى وقع ذلك الفعل لأن طبيعة المسئولية الجنائية كما هى معرفة به فى القانون – تأبى أن يتحمل المتهم مسئولية نتائج غير مقصودة لذاتها – إلا أن الشارع – وقد توقع هو نفسه حصول هذه النتائج وفقا للمجرى العادى للأمور خرج عن ذلك الأصل وجعل المتهم مسئولا عن النتائج المحتملة لعمله متى كان فى مقدوره أو كان من واجبه أن يتوقع حصولها على أساس أن إرادة الفاعل لابد وأن تكون قد توجهت نحو الفعل ونتائجه الطبيعية فنصت المادة من قانون العقوبات ما يأتى من اشترك فى جريمة فعليه عقوبتها ولو كانت غير التى تعمد ارتكابها متى كانت الجريمة التى وقعت بالفعل نتيجة محتملة للتحريض أو الاتفاق أو المساعدة التى حصلت" وهذه المادة وأن وردت فى باب الاشتراك إلا أنها جاءت فى باب الأحكام الابتدائية فدل الشارع بذلك وبعبارتها الصريحة المطلقة – أنها إنما تقرر قاعدة عامة – هى أن تحديد مناط تقدير الاحتمال إنما يكون بالنظر إلى الجريمة التى اتجهت إليها إرادة الفاعل أولا وبالذات وما يتحمل أن ينتج عنها عقلا وبحكم المجرى العادى للأمور – هذا النظر يؤكده أن النصوص التى جاءت فى القانون المدنى بشأن التعويض لم تخول للدائن إلا المطالبة بما لحقه من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر فى الوفاة به (المادة 221 من القانون المدنى) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لهذا النص أنه روعى فى أن " عبارة النتيجة الطبيعية" أمعن فى الدلالة على المقصود من عبارة " النتيجة الحالية المباشرة" التى استعملها التقنين المصرى القديم فى المادة 121/ 179 مما مفاده بطريق الاقتداء أنه إذا كانت النتيجة لا طبيعية ولا محتملة لسبب تدخل عامل شاذ وغير مألوف بين الفعل والنتيجة فإن الرابطة تنعدم ولا يسأل الجانى إلا عن جريمة الضرب أو الجرح وحدها التى اتجهت إرادته إليها – إلا أن يفرض الشارع المسئولية المحتملة فرضا ويلقيها على عاتق الجانى بنص صريح كما هو الحال فى المواد 126 و168 و257 من قانون العقوبات وغيرها، ومتى كان هذا مقررا وكان الثابت من الأوراق أن الوفاة حصلت نتيجة هبوط القلب المفاجئ عقب إعطاء حقنة البنسلين لسبب حساسية المجنى عليها وهى حساسية خاصة بجسم المجنى عليها – كامنة فيه – وليس هناك أية مظاهر خارجية تتم عنها أو تدل عليها – ولم يتحوط لها الطب حتى اليوم ولا سلطان له عليها فمسلك المتهم فيها هو مسلك الطبيب بعينه وما كانت النتيجة لتتغير لو أن الذى تولى إجراء عملية الحقن هو أحد الأطباء فموقفه منها بموقف الطبيب أشبه – فهما يتعادلان فى عدم الاستدلال على وجود تلك الحساسية قبل عملية الحقن وفى عدم إمكان ملافاة أثرها بل وفى عدم توقع النتيجة لبعدها عن المألوف الذى يصح أن يفترض معه توقعها باعتبارها من النتائج المحتملة – متى كان هذا مقررا فإن المحكمة لا تكون قد أخطأت إذ هى لم تحمل المتهم المسئولية عن وفاة المجنى عليها إلا أن هذا النظر لا يترتب عليه براءة المتهم من التهمة الأولى جملة بل كل ما ينتج عنه هو أن لا يسأل عن النتيجة – وتظل مسئوليته قائمة فى خصوص إحداث الجرح البسيط ـ لما كان ذلك وكان المتهم قد أحيل إلى المحكمة بتهمة إحداث جرح المجنى عليها الذى أدى إلى وفاتها وقد ثبت لها أنه تعاطى مهنة الطب فعلا – على خلاف القانون – من طريق عملية حقن المجنى عليها – وأوقعت عليه العقاب فى خصوص هذه التهمة فكان الأمر يقتضيها بطبيعة الحال معاملة المتهم عن التهمة الأولى فى نطاق المادة 242/ 1 من قانون العقوبات ـ فإن هى قضت ببراءته منها كلية ـ على هذا الأساس الخاطئ – فانه يكون من المتعين ـ وضعا للأمور فى نصابها – نقض الحكم فى تلك الحدود – ومؤاخذته عن التهمة الأولى بوصفها جنحة ضرب بسيط معاقبا عليها بالمادة 242/ 1 من قانون العقوبات – لما كان هذا كله وكانت الجريمتان قد وقعتا بفعل واحد – هو إجراء عملية الحقن وإن تعددت أوصافه القانونية مما يقتضى اعتبار الجريمة التى عقوبتها – أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها طبقا للفقرة الأولى من المادة 32 من قانون العقوبات وهى هنا عقوبة إحداث الجرح فان نقض الحكم فى التهمة الأولى يستوجب إعادة النظر فى العقوبة الأصلية المحكوم بها فى الجريمة الثانية، وعلى هذا الأساس ترى المحكمة تعديل العقوبة وجعلها الحبس لمدة ثلاث شهور عن التهمتين.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات