الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2537 لسنة 32 ق – جلسة 11 /06 /1963 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 14 – صـ 506

جلسة 11 من يونيه سنة 1963

برياسة السيد المستشار/ السيد أحمد عفيفي، وبحضور السادة المستشارين: محمود حلمي خاطر، وعبد الحليم البيطاش، ومختار مصطفى رضوان، ومحمد صبري.


الطعن رقم 2537 لسنة 32 القضائية

( أ ) خبرة. محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها. اطمئنانها إلى ما جاء به. المجادلة في ذلك. لا تجوز. مثال.
(ب) مسئولية. "جنائية – مدنية". "مسئولية الطبيب". إصابة خطأ. خطأ. نقض. "أحوال الطعن بالنقض". "مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه".
إباحة عمل الطبيب. شرطه: أن يكون ما يجريه مطابقاً للأصول العلمية المقررة. تفريطه في إتباع هذه الأصول أو مخالفتها. تحقق مسئوليته الجنائية بحسب تعمده ونتيجته أو تقصيره وعدم تحرزه في أداء عمله.
إثبات الحكم عناصر الخطأ التي وقعت من الطاعن أثناء إجرائه عملية جراحية للمجني عليها. كفايتها لحمل مسئوليته جنائياً ومدنياً. النعي على الحكم بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه. غير سديد.
(ج) استئناف. وصف التهمة. خطأ. محاكمة. "إجراءاتها".
استئناف النيابة والمدعية بالحقوق المدنية يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الدرجة الثانية. لهذه المحكمة أن تعطى الوقائع التي سبق طرحها على محكمة أول درجة وصفها القانوني الصحيح، وأن تغير في تفصيلات التهمة وتبين عناصرها وتحددها. شرط ذلك: ألا توجه أفعالاً جديدة إلى المتهم. إضافة محكمة ثاني درجة عنصراً من عناصر الخطأ. لا يعيب حكمها. حتى ولو كانت محكمة أول درجة قد أطرحته. ما دام هذا العنصر كان مطروحاً على بساط البحث أمام محكمتي أول وثاني درجة، ودارت المرافعة على أساسه. وما دامت الواقعة التي دين بها المتهم هي بذاتها التي رفعت بها الدعوى.
1 – لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها، وما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا تجوز مجادلتها في ذلك. ولما كان الحكم المطعون فيه قد اطمأن إلى ما جاء بتقرير كبير الأطباء الشرعيين من أن التمزق إنما حدث للمجني عليها أثناء إجراء الطاعن لعملية "الكحت"، فإن هذا ما يتضمن الرد على دفاع الطاعن القائم على أن هذا التمزق كان نتيجة عامل أجنبي تداخل بعد العملية، ولا تناقض فيما ذكره كبير الأطباء الشرعيين في تقريره من أن المؤهل الدراسي الذي حصل عليه الطاعن يبيح له إجراء عملية الكحت، وبين ما فصله من أخطاء مهنية عددها ونسبها إليه.
2 – من المقرر أن إباحة عمل الطبيب مشروط بأن يكون ما يجريه مطابقاً للأصول العلمية المقررة، فإذا فرط في إتباع هذه الأصول أو خالفها حقت عليه المسئولية الجنائية بحسب تعمده ونتيجته أو تقصيره وعدم تحرزه في أداء عمله. ولما كان ما أثبته الحكم من عناصر الخطأ التي وقعت من الطاعن أثناء إجرائه العملية الجراحية للمجني عليها، تكفى لحمل مسئوليته جنائياً ومدنياً، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم من مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه يكون غير سديد.
3 – استئناف النيابة والمدعية بالحقوق المدنية – يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الدرجة الثانية، فيكون لها أن تعطى الوقائع التي سبق طرحها على القاضي الابتدائي وصفها القانوني الصحيح وأن تغير في تفصيلات التهمة وتبين عناصرها وتحددها، وكل ما عليها ألا توجه أفعالاً جديدة إلى المتهم – ومن ثم فإنه لا يعيب حكم محكمة ثاني درجة إن أضاف عنصراً من عناصر الخطأ – حتى ولو كانت محكمة أول درجة قد أطرحته، ما دام هذا العنصر كان مطروحاً على بساط البحث أمام محكمتي أول وثاني درجة ودارت المرافعة على أساسه، وما دامت الواقعة التي دين بها المتهم هي التي رفعت بها الدعوى.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 19 من مايو سنة 1958 بدائرة مينا البصل "تسبب بغير قصد ولا تعمد في إصابة سميرة السيد المردانى بالإصابة الموصوفة بالتقرير الطبي وكان ذلك ناشئا عن إهماله وعدم احتراسه ومراعاته لأصول وقواعد الجراحة الفنية أثناء إجرائه لعملية جراحية للمجني عليها مما أدى إلى الإضرار لاستئصال أجزاء من أحشائها". وطلبت عقابه بالمادة 244 من قانون العقوبات. وقد ادعت المطعون ضدها بحق مدني مقداره 5000 جنيه على سبيل التعويض قبل المتهم كما أقام أحمد عبد الغنى دعوى مدنية مستقلة ضد المتهم يطالبه فيها بقرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت. ومحكمة مينا البصل الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 28/ 10/ 1958 عملاً بمادة الاتهام. أولاً – بتغريم المتهم خمسين جنيها بلا مصاريف جنائية. ثانياً – إلزامه بأن يؤدى للمدعية بالحق المدني سميرة المردانى مبلغ ثلاثمائة جنيه تعويضاً لها والمصروفات المدنية المناسبة ومبلغ مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة. ثالثاً. رفض الدعوى المدنية المقامة من أحمد عبد الغنى مع إلزامه المصروفات المدنية ومبلغ مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة. استأنف كل من المحكوم عليه والمدعية بالحق المدني والنيابة هذا الحكم ومحكمة الإسكندرية الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضورياً بتاريخ 31 مايو سنة 1961 بقبول الإستئنافات شكلاً وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف إلى تغريم المتهم عشرة جنيهات وبتأييده فيما عدا ذلك بلا مصاريف جنائية وألزمت المدعية بالحق المدني المصاريف المدنية الاستئنافية فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ… الخ.


المحكمة

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه الخطأ في القانون والقصور في التسبيب والتناقض والخطأ في الإسناد وفى بيان ذلك يقول إن الحكم استند في قضائه بمسئوليته عن تهمة الإصابة الخطأ إلى قلة خبرته مع أن المسئولية الطبية لا تقوم إلا حيث يكون هناك خطأ محقق ينطوي على أحدى الصور المذكورة في المادتين 238، 244 من قانون العقوبات أي أن تكون الإصابة راجعة إلى جهل أو تقصير بين ومن ثم فلا تقوم مسئولية الطاعن على مجرد قيامه بعملية كحت للمجني عليها طالما أن مؤهله العملي (بكالوريوس الطب والجراحة) يبيح له مزاولة مهنة الطب في جميع فروعها وقد استند الحكم كذلك إلى واقعة جديدة لم ترد في وصف التهمة هي أن الطاعن امتنع عن عيادة المجني عليها بعد إجراء العملية الجراحية لها واكتفى بتشخيص ما تدلى منها بأنه دماء متجمدة. مع أنه كان أمعاء المجني عليها وقد تدلت من مهبلها هذا فضلاً عن أن الطبيب لا يسأل جنائياً ولا مدنياًً إذا تأخر عن عيادة مريض. وكان مما استند إليه الحكم أن الطاعن هو الذي مزق جدار الرحم أثناء العملية التي أجراها للمجني عليها معتمداً في ذلك على تقرير كبير الأطباء الشرعيين في حين أنه بالرجوع إلى هذا التقرير يبين أنه بني على فروض لا سند لها من الأوراق فضلاً عن أن واضعه عدل عن النتيجة التي انتهى إليها فقرر عند مناقشته أمام المحكمة الاستئنافية باحتمال حدوث تمزق الرحم قبل أو بعد العملية كما قطع الدكتور محمود كامل في شهادته بالجلسة باستحالة حدوث التمزق على الصورة التي انزلقت بها الأمعاء من آلات الجراحة دون حدوث صدمة جراحية للمجني عليها. هذا وقد أخطأ الحكم في تطبيق القانون ذلك بأنه من المقرر أن مساهمة المضرور في الضرر الذي لحق به تحرمه من التعويض كلياً أو جزئياً بقدر ما ساهم به وقد نسب كبير الأطباء الشرعيين والدكتور محمد شفيق قطري إلى المجني عليها أنها ساهمت في الخطأ بالتجائها إلى طبيب غير أخصائي في أمراض النساء ولكن الحكم رفع عنها هذا الخطأ وحمل الطاعن المسئولية وحده استناداً إلى أن حالة المجني عليها النفسية هي التي دعتها إلى الاطمئنان إليه فضلاً عن أنه لا خبرة لها بباقي الأطباء وهو نظر خاطئ لا يرفع مسئوليتها ولا يمحوها – يضاف إلى ذلك أن الدفاع عن الطاعن كان قد أبدى دفاعاً هاماً أمام المحكمة الاستئنافية مؤداه أن التمزق الناشئ بجدار الرحم على صورته التي سمحت بانزلاق الأمعاء لا تحدثه آلات الكحت الدقيقة ولا يمكن أن يكون ناشئاً أثناء العملية التي أجراها الطاعن وأن عاملاً أجنبياً قد تداخل بعد العملية في إحداث هذا التمزق تنقطع به صلة السببية وتمتنع معه مساءلة الطاعن عن هذا التمزق ومضاعفاته.
فأمرت المحكمة باستدعاء كبير الأطباء الشرعيين لمناقشته فيما جاء بتقريره كما ناقشت الدكتور محمود كامل أستاذ أمراض النساء. وأسفرت مناقشتهما عما يؤدى إلى هذا الدفاع الهام ثم اقتصرت على تأييد الحكم الابتدائي لأسبابه. وقد جاء الحكم الابتدائي قاصراً أيضاً في استظهار ركن الخطأ إذ اكتفى بالقول بأن تقرير كبير الأطباء الشرعيين قد دفع الطاعن بالخطأ نتيجة قلة خبرته ولم يفصح الحكم عن ماهية هذا الخطأ إلى أية صورة يرجع من الصور المنصوص عنها في المادتين 238 و244 من قانون العقوبات وهل كان خطأ في إجراءات العملية ذاتها أو في تشخيص الداء أم كان خطأ في استعمال الآلات التي استخدمت أم بسبب عدم إتباع الأصول الفنية في العملية. أو أنه نشأ عن إهمال الطبيب أثناء إجرائها إلى غير ذلك من البيانات الواجب إثباتها حتى تتحقق الرقابة على الحكم – هذا ويضيف الطاعن أن الحكم مشوب بالتناقض في التسبيب والخطأ في الإسناد. أما التناقض فلأن الحكم بني قضاءه بإدانة الطاعن وإلزامه بالتعويض المؤقت على ما جاء بتقرير كبير الأطباء الشرعيين من أن الطاعن أجرى العملية باعتباره طبيباً عاماًً ليس له خبرة الأخصائيين. في حين أنه جاء في هذا التقرير نفسه أن شهادة بكالوريوس الطب والجراحة التي حصل عليها الطاعن تبيح له مزاولة مهنة الطب في جميع فروعها بما فيها عملية الكحت. فلا تصح مساءلته عن إجراء هذه العملية. وأما الخطأ في الإسناد ذلك لأن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه نقل عن تقرير كبير الأطباء الشرعيين أنه قال بأن تمزق جدار الرحم وتدلى الأمعاء منه إنما كان بسبب العملية الجراحية التي قام الطاعن بإجرائها للمجني عليها ولم يكن بسبب حالة مرضية سابقة على العملية أو لسبب آخر. وبالرجوع إلى هذا التقرير يبين أنه أسند إلى الدكتور محمود كامل أنه نفى أن يكون تمزق رحم المجني عليها نتيجة عبث عابث بعد عملية الكحت التي أجراها لها الطاعن. في حين أن الثابت بمحاضر جلسات المحكمة الابتدائية أن الدكتور محمود كامل قرر عكس ذلك تماماً وقطع بأن هذا التمزق لم يحدث أثناء العملية وإنما كان نتيجة عبث غير مشروع بعد إجرائها.
وحيث إنه يبين من الإطلاع على الأوراق وعلى المفردات التي أمرت هذه المحكمة بضمها أن النيابة العامة اتهمت الطاعن بأنه في يوم 19 من مايو سنة 1951 بدائرة مينا البصل تسبب بغير قصد ولا تعمد في إصابة سميرة السيد المردانى بالإصابة الموصوفة بالتقرير الطبي وكان ذلك ناشئا عن إهماله وعدم احتراسه ومراعاته لأصول وقواعد الجراحة الفنية أثناء إجرائه لعملية جراحية للمجني عليها مما أدى إلى الاضطرار لاستئصال أجزءا من أحشائها. وطلبت عقابه بالمادة 244 من قانون العقوبات وادعت المجني عليها مدنياً قبل الطاعن بمبلغ خمسة آلاف جنيه على سبيل التعويض كما ادعى زوجها أحمد عبد الغنى بمبلغ قرش صاغ على سبيل التعويض المؤقت وقضت المحكمة الجزئية حضورياً بتغريم الطاعن خمسين جنيها وإلزامه بأن يؤدى للمدعية بالحق المدني سميرة المردانى مبلغ ثلاثمائة جنيه تعويضاً لها والمصروفات المناسبة ورفض الدعوى المدنية المقامة من زوجها. فاستأنف كل من المتهم والمدعية بالحق المدني والنيابة. والمحكمة الاستئنافية قضت حضورياً بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف إلى تغريم المتهم عشرة جنيهات وبتأييده فيما عدا ذلك وألزمت المدعية بالحق المدني المصاريف المدنية الاستئنافية. لما كان ذلك، وكانت الوقائع تتحصل حسبما استبان لمحكمة الموضوع من الإطلاع على الأوراق والتحقيقات وما سمعته المحكمة من أقوال الشهود والمرافعة الشفوية في أن المتهم – الطاعن – أجرى للسيدة سميرة السيد المردانى المجني عليها في يوم 19/ 5/ 1959 الساعة 5 مساء تقريباً عملية كحت لوجود حالة نزيف لديها وقد شعرت المجني عليها بعد ذلك بالألم ومضاعفات فاستدعت المتهم الذي رأى من خطورة حالتها ما يدعو لنقلها لإحدى المستشفيات وقد قام فعلاً بمعاونتها في الانتقال إلى المستشفى الأميري حيث تبين وجود قطعة كبيرة من الأمعاء تدلت من ثقب الرحم وتعفنت مما ترتب عليه إجراء جراحة لها وبفتح البطن وجد نزيف داخل البطن وتمزق كبير بالرحم بجداره الخلفي يبرز منه جزء كبير من الأمعاء وقد أزيل هذا الجزء من الأمعاء كما استؤصل الرحم وبعرض المجني عليها على الطبيب الشرعي الذي قام بفحصها والاطلاع على أوراق العلاج قدم تقريراً جاء فيه أن التمزق الذي وصف بالجدار الخلفي للرحم يرجح أنه نتيجة للتداخل الآلي أثناء عملية الكحت نتيجة انحراف الرحم للأمام انحرافاً لم يتبينه المتهم ثم أضاف إلى ذلك أنه كان يجب معالجة المجني عليها أولاً علاجاً طبياًً فإذا فشل تجرى عملية الكحت في مستشفى أو عيادة مستعدة بواسطة أخصائي على أن تبقى تحت الملاحظة مدة كافية للتأكد من عدم حصول مضاعفات ولم يكن من المستصوب إرسال المريضة لمنزلها عقب إجراء العملية مباشرة أو بفترة وجيزة وأضاف أن الطبيب المتهم استدعى في نفس مساء يوم إجراء العملية كما جاء بالتحقيقات فلم يذهب ولو ذهب لكان قد اكتشف هذه الحالة ولأجرى لها التدخل الجراحي في وقت أفضل. وقررت المجني عليها وزوجها أن الطبيب المتهم أجرى العملية في عيادته وعلى أثرها سمح للمجني عليها بالانصراف وقد شعرت بالمضاعفات في نفس الليلة فاتصل الزوج بالمتهم عدة مرات مستنجداً لما شعرت به زوجته من الآلام ومضاعفات منها. إلا أن المتهم كان مطمئناً على أن ما تشعر به المجني عليه ليس إلا نتيجة طبيعية للعملية وأضاف زوج المجني عليها أنه أخبره في إحدى المرات بأنه شاهد شيئا يتدلى من جسم المجني عليها فأخبره أن ذلك لا بد أن يكون دماً متجمداً ولكنه ظل يلاحقه عدة مرات في اليوم التالي يطلب حضوره لعيادتها وكان المتهم لا يجيب هذا الطلب وأخيراً تم نقلها إلى مستشفى دار إسماعيل لأمراض النساء فأحالتها للمستشفى الأميري حيث أجريت لها الجراحة التي أدت إلى بتر الرحم وجزء من الأمعاء ولما كان كبير الأطباء الشرعيين قدم تقريره تنفيذاً للحكم الصادر بندبه واستعرض فيه الحقائق العلمية وجميع التقارير والمناقشات التي دارت بالجلسة وانتهى إلى ما يأتي: أن عملية كحت غشاء الرحم وإن لم تكن من العمليات الكبرى إلا أن إجرائها على الوجه الصحيح يحتاج إلى خبرة ودراية ومعرفة بدقائق التكوين التشريحي للرحم. ومن المرغوب فيه أن تجرى هذه العملية في مستشفى حيث يتوفر كل ما يلزم لإجرائها ولمجابهة ما قد يطرأ أثناء القيام بها أو عقب إجرائها مباشرة من مضاعفات قد تصل درجة كبيرة من الخطورة. وحيث يجب أن تبقى المريضة تحت الملاحظة الطبية المستمرة الفترة الكافية للتأكد من سلامتها. على أن يصح أن يقوم الأطباء ذوو الخبرة بإجراء هذه العملية بعياداتهم الخاصة التي تكون قد أعدت لإجرائها وذلك اقتصادا للنفقات أو نزولاً على رغبة المريضة وفى مثل هذه الحالة يستصوب أن تحجز المريضة بالعيادة تحت الملاحظة أياماً قليلة. وقد يسمح للمريضة بالانصراف إلى منزلها في حالة التأكد من سلامة العملية والمريضة وذلك على شريطة أن تتبع المريضة التعليمات التي يصدرها الطبيب وأن يوالى الطبيب ملاحقة المريضة بالمرور عليها بمنزلها وأن ينتقل إليها فوراً إذا ما طلب إليه ذلك، ويكون الطبيب مسئولاً عن الانتقال لفحص مريضة إذا ما طلب إليه ذلك إن شهادة بكالوريوس الطب والجراحة التي حصل عليها الطبيب صلاح بريقع تبيح له مزاولة مهنة الطب في جميع فروعها ما دام يأنس في نفسه الكفاية والخبرة. وبالتالي فإنها تبيح له إجراء عملية كحت ما دام يعتقد أنه كفء للقيام بها. على أنه يجمل بالطبيب صلاح بريقع وهو يمارس مهنته في مدينة الإسكندرية حيث يتوافر الأخصائيون في أمراض النساء والولادة. وحتى بعد أن وكلت إليه المريضة أمر علاجها كان يجمل به أن يشرك معه على الأقل طبيباً أخصائياً يؤيد صحة التشخيص الذي انتهى إليه وصحة وكفاية العلاج الجراحي الذي ارتآه والإشراف على إجراء هذا التداخل. إن تمزق جدار الرحم وتدلى لفة من الأمعاء الدقاق من هذا التمزق إلى فراغ الرحم قد حدثا بالمريضة أثناء العملية التي أجراها الطبيب صلاح بريقع في عيادته يوم 19/ 5/ 1959 وبسببها ولم تكن نتيجة حالة مرضية سابقة على العملية وتدلى الأمعاء الدقاق من تمزق الرحم يشير إلى أن العملية التي أجراها الطبيب صلاح بريقع للمريضة لم تكن مجرد عملية كحت على غشاء رحم عادى صغير. وإنما كانت عملية كحت في رحم متضخم في الراجح من حمل مبكر وفى حالة إجهاض متعذر وغير تام إن صحت أقوال المريضة التي تفيد ظهور نزيف رحمي عندها في الأسبوع السابق على العملية. ومن رأينا أن ما حدث للمريضة أثناء العملية التي أجراها لها الطبيب صلاح بريقع من تمزق بجدار الرحم وإصابة الأمعاء الدقاق وتدليها من تمزق جدار الرحم للخارج كان ذلك نتيجة قلة خبرة الطبيب المعالج. وأنه يعتبر خطأ من جانبه يسأل عنه وإن كان لا يرقى إلى مرتبة الخطأ المهني الجسيم. وكان من الجائز تلافى حدوث هذه المضاعفات السيئة لو شخصت حالة المريضة تشخيصاً صحيحاً ولو قام على إجراء العملية طبيب أخصائي أو خبير. ومن رأينا أيضاً أن المريضة وقد وكلت إلى الطبيب صلاح بريقع علاجها من حالة النزيف الرحمي وهى تعلم بوجود الأخصائيين في بلدها الإسكندرية الذين يكفلون لها أقصى درجة من السلامة تحمل مع الطبيب مسئولية ما انتهى إليه علاجها. والعلاج الجراحي الذي قام على تنفيذه للمريضة السيد الدكتور الجراح بالمستشفى الأميري ومساعدوه علاج فني صحيح أنقذ حياتها من مضاعفات بالغة الخطورة. وقد استدعى علاج المجني عليها من المضاعفات التي حدثت بها أثناء العملية التي أجراها لها الطبيب صلاح بريقع – الطاعن – استدعى علاجها استئصال الجزء المحتقن المتعفن من الأمعاء الدقاق المتدلي من تمزق جدار الرحم والذي بلغ طوله حوالي المتر ونصف الأمر الذي من شأنه أن يؤثر في وظيفة الأمعاء الدقاق من حيث درجة تقدم هضم الطعام وامتصاصه منها. فضلاً عما يمكن أن يتخلف عن هذه المضاعفات من التصاقات بالبريتون وهذه الحالة عاهة مستديمة يتعذر تقدير مداها، كما استدعى العلاج استئصال الرحم نظراً لسعة تمزق والتهاب جدره وهى أيضاً عاهة مستديمة من شأنها أن تحرم المجني عليها مستقبلاً من فرص الحمل والولادة. لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على الحكم الابتدائي – المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أنه بعد أن أشار إلى النتيجة التي انتهى إليها تقرير كبير الأطباء الشرعيين قال ما نصه: "وحيث إن المحكمة وهى تبحث في مدى مسئولية المتهم عما حدث بالمجني عليها من إصابات نتجت عنها العاهة المستديمة إنما تأخذ بتقرير كبير الأطباء الشرعيين الذي دفع المتهم بالخطأ نتيجة قلة خبرته – وحيث إنه علاوة على ما تقدم فإن المحكمة تستدل على خطأ المتهم من اعترافه بخطئه إثر سؤاله بمحضر جمع الاستدلالات المؤرخ 21/ 5/ 1951 الذي أقر فيه بأنه يحتمل أنه عند إجراء العملية الجراحية التي قام بها للمجني عليها أن يكون قد حصل جرح بالرحم دون أن يتنبه لذلك الأمر الذي أدى إلى بروز الأمعاء من هذا الجرح، وحيث إن المحكمة لا ترى الأخذ بتقرير كبير الأطباء الشرعيين بالنسبة لما فيه من خطأ للمجني عليها لأنها سمحت بنفسها بأن تعرض نفسها على المتهم لعلاجها رغم وجود أطباء أخصائيين بالإسكندرية. ذلك أن قيامها بذلك لا يعتبر خطأ طالما أن حالتها النفسية تدعوها لكي تطمئن للمتهم فضلاً عن أنه لا خبرة لها بباقي الأطباء. وحيث إنه لما تقدم، يكون المتهم قد أخطأ عندما قام بعلاج المجني عليها هذا الخطأ الذي ترتب عنه مباشرة إصابة المجني عليها بالإصابات المبينة بتقرير كبير الأطباء الشرعيين ولن يسعف المتهم ما يحاول التنصل منه من أن إصابة المجني عليها إنما نتجت عن أفعال لا دخل له فيها ذلك أن تقرير كبير الأطباء الشرعيين ورد به أن تمزق جدار الرحم وتدلى الأمعاء منه إنما كان بسبب العملية الجراحية التي قام المتهم بإجرائها للمجني عليها ولم يكن بسبب حالة مرضية سابقة على العملية أو لسبب آخر" ويبين من الاطلاع على محاضر الجلسات والمذكرات المقدمة من الحاضر عن الطاعن والمدعية بالحقوق المدنية أن تقرير كبير الأطباء الشرعيين كان مطروحاً أمام المحكمة وقد تناوله جميع الأطراف بما فيهم الطاعن بالرد والمناقشة. وأن محامى المدعية بالحقوق المدنية قال عند نظر الدعوى أمام المحكمة الاستئنافية "إن المجني عليها توجهت لعيادة المتهم لصلة معرفة بزوجها فأجرى لها عملية بعيادته الغير مجهزة وسمح لها بالانصراف بعد ساعتين واتصل زوج السيدة بالدكتور لألم بزوجته عدة مرات وأخبره بأنه يوجد شيء متدلي من زوجته فأخبره بأنه ربما يكون دماً متجمداً. وأن المتهم أخطأ خطأ جسيماً وقطع جدار الرحم وكان نتيجة ذلك تدلى الأمعاء من الرحم وعمل لها عملية قطع الرحم نتيجة لذلك كما حصل إزالة لجزء كبير من الأمعاء فرد الحاضر عن الطاعن على هذا القول كما تناول تقرير كبير الأطباء الشرعيين وعلق عليه بما هو ثابت بمحضر الجلسة، كما أن الدفاع عن الطاعن صمم على مذكرته المعلاة تحت رقم 37 دوسيه والتي تناول فيها تقرير كبير الأطباء الشرعيين وعلى الأخص السماح للمريضة بالخروج يوم العملية وعدم استجابته بطلب استدعاء الزوج له عقب انتقالها إلى منزلها عدة مرات وما قاله الزوج من وجود شيء متدلي من زوجته وما رد به الطاعن من احتمال أن يكون هذا من دم متجمد". ثم انتهى الحكم الاستئنافى إلى تأييد الحكم الابتدائي في قوله: "وحيث إن الحكم المستأنف صحيح لأسبابه التي أقيم عليها والتي تأخذ بها هذه المحكمة وذلك فيما يختص بثبوت التهمة قبل المتهم وتقرير التعويض المدني وتضيف إلهيا أن من مظاهر خطأ المتهم أيضاً إقراره بأنه استدعى لعيادة المجني عليها بعد أن أجرى لها العملية لأن هناك شيئاً يتدلى من فرجها فلم يتوجه إليها بل اكتفى بتشخيص ذلك بأنه دماء متجمدة مع أنها في الواقع كانت أمعاء المجني عليها قد تدلت من الرحم. لما كان ما تقدم، وكان مؤدى ما انتهى إليه تقرير كبير الأطباء الشرعيين – أن الطاعن وهو غير أخصائي أجرى للمجني عليها عملة كحت غشاء الرحم في عيادته الخاصة وسمح لها بالانصراف بعد إجرائها ببضع ساعات ولم يلب استغاثة زوج المجني عليها عندما أخبره بسوء حالتها ولم يذهب لإسعافها حتى بعد أن أخبره الزوج بأن شيئاً يتدلى من فرجها. وأن تمزق جدار الرحم وتدلى لفة من الأمعاء الدقاق من هذا التمزق قد حدثا بالمريضة أثناء العملية التي أجراها لها الطاعن في عيادته وبسببها ولم تكن نتيجة حالة مرضية سابقة على العملية وأن ما حدث كان نتيجة قلة خبرة الطبيب المعالج وأنه يعتبر خطأ من جانبه وإن كان لا يرقى إلى مرتبة الخطأ المهني الجسيم. وكان الحكم الابتدائي – المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد أخذ بهذا التقرير وأستند إليه في بيان خطأ الطاعن واثبات إدانته – وكان لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها وما دامت قد اطمأنت إلى ما جاء به فلا تجوز مجادلتها في ذلك – وكانت عناصر الخطأ التي أخذ بها الحكم واطمأن إليها فضلاًًً عن تقرير كبير الأطباء الشرعيين – هي عناصر واضحة. ولما كان من المقرر أن إباحة عمل الطبيب مشروط بأن يكون ما يجريه مطابقاً للأصول العلمية المقررة فإذا فرط في إتباع هذه الأصول أو خالفها حقت عليها المسئولية الجنائية بحسب تعمده الفعل ونتيجته أو تقصيره وعدم تحرزه في أداء عمله – وكان ما أثبته الحكم من عناصر الخطأ التي وقعت من الطاعن تكفى لحمل مسئوليته جنائياً ومدنياً فإن ما ينعاه الطاعن من إسناد الحكم إلى تقرير كبير الأطباء الشرعيين رغم استناده إلى مجرد فروض ومن مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه يكون غير سديد. ولما كانت محكمة ثاني درجة قد أشارت إلى امتناع الطاعن عن عيادة المجني عليها بعد إجراء العملية الجراحية فقالت: "إن من مظاهر خطأ المتهم أيضاً إقراره بأنه استدعى لعيادة المجني عليها بعد أن أجرى لها العملية لأن هناك شيئاً يتدلى من فرجها فلم يتوجه إليها بل اكتفى بتشخيص ذلك بأنه دماء متجمدة مع أنها في الواقع كانت أمعاء المجني عليها وقد تدلت من الرحم. وكان هذا العنصر هو من العناصر التي فصلها تقرير كبير الأطباء الشرعيين الذي أخذت به محكمة أول درجة واستندت إليه وقد كان مطروحاً أمامها وكان الاستئناف من النيابة والمدعية بالحقوق المدنية – كما هو الحال في هذه الدعوى – يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الدرجة الثانية فيكون لها أن تعطى الوقائع التي سبق طرحها على القاضي الابتدائي وصفها القانوني الصحيح وأن تغير في تفصيلات التهمة وتبين عناصرها وتحددها وكل ما عليها ألا توجه أفعالا جديدة إلى المتهم ومن ثم – فإنه لا يعيب حكم محكمة ثاني درجة إن أضاف هذا العنصر من عناصر الخطأ – حتى مع التسليم جدلاً بأن محكمة أول درجة قد أطرحته ما دام هذا العنصر كان مطروحاً على بساط البحث أمام محكمتي أول وثاني درجة وقد دارت المرافعة على أساسه وما دامت الواقعة التي دين بها الطاعن هي التي رفعت بها الدعوى – لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه بما للمحكمة من سلطة تقديرية قد نفى لأسباب سائغة وقوع خطأ من جانب المجني عليها فإن ما يثيره الطاعن من استناد الحكم إلى واقعة جديدة لم ترد في وصف التهمة ومن إعفاء المجني عليها من المسئولية رغم مساهمتها في الخطأ بالتجائها إلى غير أخصائي يكون غير سديد. ولما كان الحكم قد أطمأن إلى ما جاء بتقرير كبير الأطباء الشرعيين من أن التمزق إنما حدث للمجني عليها أثناء إجراء الطاعن لعملية الكحت فإن في هذا ما يتضمن الرد على دفاع الطاعن القائم على أن هذا التمزق كان نتيجة عامل أجنبي تداخل بعد العملية وكان لا تناقض فيما ذكره كبير الأطباء الشرعيين في تقريره من أن المؤهل الدراسي الذي حصل عليه الطاعن يبيح له إجراء عملية الكحت وبين ما فصله من أخطاء مهنية عددها ونسبها إليه. ولما كان يبين من الرجوع إلى التقرير الطبي الشرعي أنه ألم بأقوال الدكتور محمود كامل كما وردت بمحاضر الجلسات ولم يغب عنه شيء من حقيقتها ومع ذلك فقد انتهى إلى النتيجة التي أخذ بها الحكم فلا وجه لقالة الخطأ في فهم أقوال هذا الشاهد فإن ما يثيره الطاعن من القصور والتناقض والخطأ في الإسناد لا يكون له أساس.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات