الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2643 لسنة 32 ق – جلسة 04 /06 /1963 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 14 – صـ 486

جلسة 4 من يونيه سنة 1963

برياسة السيد المستشار/ عادل يونس، وبحضور السادة المستشارين: توفيق أحمد الخشن، وأديب نصر، وحسين صفوت السركي، وأحمد موافي.


الطعن رقم 2643 لسنة 32 القضائية

( أ ) قتل خطأ. خطأ. دعوى مدنية. لائحة السكة الحديد. نقض. "أحوال الطعن بالنقض". "الخطأ في تطبيق القانون".
فرض المادة 122 من لائحة السكة الحديد على عمال المناورة واجبين. أولهما تحذير مستخدمي المصلحة والمشتغلين بالعربات أو حولها. وثانيهما: أن يطلبوا من الأشخاص المشتغلين بالشحن أو التفريغ ألا يبقوا بالعربات المزمع تحريكها لعملية المناورة ولا يقتربوا منها. طبيعية التحذير تقضى أن يكون قبل البدء بالمناورة. طلب عدم الاقتراب من العربات يقضي أن يكون قبل وإبان عملية المناورة. علة ذلك: احتمال وجودهم عقب البدء بعملية المناورة بعد التحذير. إيجاب المادة 24 من اللائحة المذكورة تحذير الجمهور من اجتياز خط السكة الحديد عندما يخشى حدوث خطر. مفاد هذا النص: اجتياز الخط – ولو كان منهياً عنه – لا يمنع من القيام بواجب التحذير – وأن التحذير أمر عام لم تقصد اللائحة توجيهه إلى فئة دون غيرها.
إقامة الحكم قضاءه في رفض الدعوى المدنية على براءة المتهمين تأسيساً على أن النص يوجب التحذير لمن يوجد من العمال والمشتغلين بالشحن والتفريغ قبل إجراء عملية المناورة وتحريك العربات، وليس لمن يأتون من بعيد بقصد العبور فوق الشريط من بين العربات. تفسير خاطئ للائحة السكة الحديد. ثبوت أن هذا الخطأ كان أحد العناصر التي اعتمد الحكم عليها، وكان له أثره في تكوين عقيدة المحكمة. وجوب نقضه فيما تقضى به في الدعوى المدنية.
(ب) حكم. "تسبيبه. تسبيب معيب".
وجوب تأسيس الأحكام الجنائية على التثبت واليقين لا على الفرض والاحتمال. مثال.
1 – فرضت المادة 122 من لائحة السكة الحديد على عمال المناورة واجبين – أحدهما – أن يحذروا مستخدمي المصلحة والمشتغلين بالعربات أو حولها – وثانيهما – أن يطلبوا من الأشخاص المشتغلين بالشحن أو التفريغ ألا يبقوا بالعربات المزمع تحريكها لعملية المناورة ولا يقتربوا منها. وإذا كانت طبيعة التحذير تقتضى أن يكون قبل البدء بالمناورة – بحكم وجود المستخدمين والمشتغلين بالعربات وحولها بالقرب من القطار، فإن طلب عدم الاقتراب من العربات المزمع تحريكها لعملية المناورة يقتضى أن يكون قبل وإبان عملية المناورة لاحتمال وجودهم عقب البدء بعملية المناورة وبعد التحذير. كما أوجبت المادة 24 من اللائحة المذكورة تحذير الجمهور من اجتياز خط السكة الحديد عندما يخشى حدوث خطر بسب ذلك، والمستفاد من النص الأخير أن اجتياز الخط – ولو كان أمراً منهياً عنه – لا يمنع من القيام بواجب التحذير، وأن التحذير أمر عام لم تقصد اللائحة توجيهه إلى فئة دون غيرها لما يقتضيه واجب المحافظة على أرواح الناس بغير تفرقة. ولما كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه – ببراءة المتهمين من تهمة القتل الخطأ – على أن النص يوجب التحذير لمن يوجد من العمال والمشتغلين بالشحن والتفريغ قبل إجراء عملية المناورة وتحريك العربات وليس لمن يأتون من بعيد بقصد العبور فوق الشريط من بين العربات، فأغفل بذلك ما فرضه النص من طلب عدم البقاء أو الاقتراب من العربات الذي يوجه إلى عمال الشحن قبل وإبان عملية المناورة، كما أنه لم يعن ببيان حقيقة مركز المجني عليه بين القائمين بالشحن والتفريغ. وكان الحكم قد أقام قضاءه في – رفض الدعوى المدنية – على براءة المتهمين تأسيساً على التفسير الخاطئ للائحة السكة الحديد، وكان هذا الخطأ هو أحد العناصر التي أعتمد الحكم عليها وكان له أثره في تكوين عقيدة المحكمة، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به في الدعوى المدنية.
2 – من المقرر وجوب تأسيس الأحكام الجنائية على التثبت واليقين لا على الفرض والاحتمال. ولما كان الحكم المطعون فيه فيما خلص إليه من أنه لا يوجد ما ينفى أن الطاعنين الأول والثاني قد قاما بالمرور على شريط السكة الحديد وتحذير العمال والمشتغلين بعملية الشحن والتفريغ على عربات القطار، قد أقام قضاءه على مجرد الاحتمال، فإنه يكون معيباً.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة المطعون ضدهم بأنهم في يوم 27/ 3/ 1958 بدائرة قسم مينا البصل "تسببوا بغير قصد ولا تعمد في قتل السيد/ كمال عاشور وكان ذلك ناشئاً عن إهمالهم وعدم احتياطهم بأن لم يتخذوا الحيطة الكافية أثناء محاولتهم ربط عربات نقل البضاعة بالقاطرة رقم 4202 فأصدر الأول بصفته عامل مناورة إشارة تدل على انتهاء عملية ربط بعض العربات ولم يتأكد الثاني وهو ملاحظ المناورة من تمام تلك العملية وسلامتها وخلو الطريق من المارة وأشار دون تحرز للثالث بصفته سائق القاطرة بالتحرك فتولى الرجوع للخلف بالقاطرة ولم يستعمل آلة التنبيه بصفة مستمرة كما تقضى بذلك التعليمات فانحشر المجني عليه بين العربتين المبينتين بالمحضر وحدثت به الإصابات الموصوفة بالمحضر والتي أودت بحياته نتيجة لذلك". وطلبت عقابهم بالمادة 238 من قانون العقوبات. وقد ادعى الحاج مصطفى عاشور (والد المجني عليه) عن نفسه وبصفته ولياً شرعياً على أخوة المجني عليه وهم عزت ومحمد وعاشور ووكيلاً عن السيدة/ نعيمة السيد قاسم (والدته) بحق مدني قبل المتهمين والسيد/ مدير عام مصلحة السكة الحديد والسيد/ وزير المواصلات بصفتهما مسئولين عن الحقوق المدنية متضامنين بمبلغ عشرين ألف جنيه على سبيل التعويض. ومحكمة المنيا الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 14 إبريل سنة 1959 عملاً بمادة الاتهام بحبس كل من المتهمين ستة أشهر مع الشغل وكفالة خمسة جنيهات لكل لإيقاف التنفيذ وبإلزامهم متضامنين مع مدير عام مصلحة السكة الحديد والسيد/ وزير المواصلات بصفتهما بأن يدفعوا للمدعين بالحقوق المدنية مبلغ عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض المدني والمصروفات المدنية المناسبة. فاستأنف هذا الحكم كل من المتهمين والمدعين بالحقوق المدنية والمسئولين عنها. ومحكمة الإسكندرية الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت بتاريخ 3 يونيو سنة 1961 عملاً بالمادة 304/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية حضورياً للأول والثاني وحضورياً اعتبارياً للثالث. أولاً – وفى الدعوى الجنائية بقبول استئناف المتهمين شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة كل منهم مما أسند إليه. ثانياً – وفى الدعوى المدنية بقبول الاستئنافات شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى وألزمت رافعيها بالمصروفات المدنية عن الدرجتين. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.


المحكمة

حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذا قضى برفض الدعوى المدنية المرفوعة منه للمطالبة بتعويض عن قتل مورثه بإهمال المطعون ضدهم الثلاثة الأول وعدم احتياطهم قد انطوى على خطأ في تطبيق القانون وتأويله ذلك بأنه أسس قضاءه على ما انتهى إليه في تفسير المادة 122 من اللائحة العمومية للسكك الحديدية الصادرة في سنة 1908 من أنها لا تلزم عمال المناورة بالوقوف على جانبي القطار لتنبيه الجمهور أو من يريد المرور بين العربات وأنها تلزمهم فقط بتنبيه العمال والمشتغلين بالشحن والتفريغ قبل إجراء المناورة وهذا الذي ذهب الحكم إليه غير صحيح لما تقضى به المادتان 6 و24 من هذه اللائحة من إلزام عمال المناورة ببذل منتهى العناية لحفظ سلامة الجمهور في جميع الحالات وتحذيره من اجتياز الخط في حالة الخطر.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى بما مؤداه أن المجني عليه المرحوم كمال مصطفى محمد عاشور المفتش بمراقبة تموين القاهرة كان منتدباً يوم الحادث للإشراف على تفريغ شحنة من مواد التموين من إحدى البواخر الواقعة على رصيف الجمارك بالإسكندرية وكان يرافقه كل من أحمد عرابي سالم المفتش بمراقبة تموين الإسكندرية ومحمد عزت خليل الموظف بحسابات وزارة التموين وفى أثناء ذلك أرادوا عبور شريط السكة الحديد من إحدى جهتيه إلى الجهة الأخرى – وكان مشغولاًً بأكمله بقطار من قطارات البضاعة – فتقدم زميلاه ومرا من فتحة بين العربتين الرابعة والخامسة وفى أثناء مروره هو من تلك الفتحة تحرك القطار إلى الخلف فانحشر بين العربتين المذكورتين وأصيب بإصابات أودت بحياته – لما كان ذلك، وكان الحكم وهو في معرض التدليل على براءة المطعون ضدهما الأول والثاني واستخلاص عناصر رفض الدعوى المدنية قد انتهى في تفسير المادة 122 من لائحة السكة الحديد إلى القول بأنها "لم توجب على عمال المناورة أن يقفوا على جانبي القطار أثناء عملية المناورة لتنبيه الجمهور أو من يريد المرور بين العربات وإلا لما تمت هذه العملية التي يقوم فيها ملاحظة المناورة بالتأشير للسائق بالتقدم أو التأخر بينما يقوم عامل المناورة بالدخول بين العربات لربطها ولم تلزمهم اللائحة إلا بالمرور قبل عملية المناورة أي قبل تحريك العربات لتنبيه مستخدمي المصلحة أو المشتغلين بالعربات أو حولها أو فيها وكذا عمال الشحن والتفريغ وبديهي أن يكون هذا التنبيه لمن يتواجد من العمال أو المشتغلين بالشحن والتفريغ قبل إجراء عملية المناورة وتحريك العربات وليس لمن يأتون من بعيد بقصد العبور فوق الشريط أو بين العربات ثم خلص الحكم إلى أن المتهمين الأول والثاني (المطعون ضدهم الأول والثاني) لم يخالفا لائحة السكة الحديد أثناء قيامهما بعملية المناورة وأنه لا يوجد ما ينفى أنهما قاما بالمرور على الشريط وتحذير العمال والمشتغلين بعملية الشحن والتفريغ على عربات القطار". وكانت المادة 122 تنص على أنه "قبل تحريك العربات أو إدخالها بالمناورة لأي مخزن مستعمل لتصليح العربات أو لشحن وتفريغ البضائع وكذا قبل تحريكها أو إدخالها بالمناورة لمخازن البضائع أو لمبان أخرى يوجد عليها عربات يجب على الكمسارية وعمال المناورة وغيرهم من المختصين بذلك تحذير مستخدمي المصلحة أو المشتغلين بالعربات المذكورة أو حولها أو بينها ويجب عليهم أيضاًًً أن يطلبوا من الأشخاص المشتغلين بالشحن أو التفريغ ألا يبقوا بالعربات المزمع تحريكها بعملية المناورة ولا يقتربوا منها". لما كان ذلك، وكانت هذه المادة قد فرضت على عمال المناورة واجبين: أحدهما – أن يحذروا مستخدمي المصلحة و المشتغلين بالعربات أو حولها. ثانيهما – أن يطلبوا من الأشخاص المشتغلين بالشحن أو التفريغ ألا يبقوا بالعربات المزمع تحريكها لعملية المناورة ولا يقتربوا منها. وإذا كانت طبيعة التحذير تقتضى أن يكون قبل البدء بالمناورة بحكم وجود المستخدمين والمشتغلين بالعربات وحولها بالقرب من القطار، فإن طلب عدم الاقتراب من العربات المزمع تحريكها لعملية المناورة يقتضى أن يكون قبل وإبان عملية المناورة لاحتمال وجودهم عقب البدء بعملية المناورة وبعد التحذير، ولما كانت المادة 24 من اللائحة سالفة البيان قد أوجبت تحذير الجمهور من اجتياز خط السكة الحديد عندما يخشى حدوث خطر بسبب ذلك، وكان المستفاد من هذا النص أن اجتياز الخط – ولو كان أمراً منهياًً عنه – لا يمنع من القيام بواجب التحذير، وأن التحذير أمر عام لم تقصد اللائحة توجيهه إلى فئة دون غيرها لمن يقتضيه واجب المحافظة على أرواح الناس بغير تفرقة، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أن النص يوجب التحذير لمن يوجد من العمال والمشتغلين بالشحن والتفريغ قبل إجراء عملية المناورة وتحريك العربات وليس لمن يأتون من بعيد بقصد العبور فوق الشريط من بين العربات فأغفل بذلك ما فرضه النص من طلب عدم البقاء أو الاقتراب من العربات الذي يوجه إلى عمال الشحن والتفريغ قبل وإبان عملية المناورة. ولما كان يبين من مدونات الحكم أنه على الرغم مما تبين له من أن المجني عليه كان منتدباًً يوم الحادث للإشراف على تفريغ شحنة من مواد التموين من إحدى البواخر الواقفة على رصيف الجمارك بالإسكندرية فإن لم يعن ببيان حقيقة مركزه بين القائمين بالشحن والتفريغ إذ أنه فضلاًًً عن اعتبار المجني عليه واحداً من الجمهور الذين عناهم نص المادة 24 من اللائحة بالحماية بغير تخصيص، فإنه بحكم إشرافه على عمال تفريغ مواد التموين من الباخرة وشحنها بقطار السكة الحديد يعتبر في حكم القائمين بالشحن والتفريغ الذين ينعطف عليهم حكم المادة 122 ويكون من بين من تفرض هذه المادة مطالبتهم قبل وإبان عملية المناورة بعدم الاقتراب من العربات، ولما كان من المقرر وجوب تأسيس الأحكام الجنائية على التثبت واليقين لا على الفرض والاحتمال، وكان الحكم المطعون فيه فيما خلص إليه من أنه لا يوجد ما ينفى أن الطاعنين الأول والثاني قد قاماًً بالمرور على الشريط وتحذير العمال والمشتغلين بعملية الشحن والتفريغ على عربات القطار قد أقام قضاءه على مجرد الاحتمال. لما كان ما تقدم، وكان الحكم قد أقام قضاءه في رفض الدعوى المدنية على براءة المطعون ضدهما الأول والثاني تأسيساًً على التفسير الخاطئ للائحة السكة الحديد، وكان هذا الخطأ هو أحد العناصر التي اعتمد الحكم عليها، وكان له أثره في تكوين عقيدة المحكمة، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به في الدعوى المدنية بالنسبة إلى المتهمين الثلاثة لوحدة الواقعة وإلى المسئولين عن الحقوق المدنية – المطعون ضدهما – وذلك بغير حاجة إلى بحث باقي ما يثيره الطاعن في أوجه طعنه، ولما كان الأمر يستوجب إعادة بحث الدعوى في ضوء التفسير الصحيح للائحة، فإن الأمر يقتضى مع النقض الإحالة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات