الطعن رقم 1351 سنة 26 ق – جلسة 19 /02 /1957
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الأول – السنة 8 – صـ 160
جلسة 19 من فبراير سنة 1957
برياسة السيد حسن داود المستشار، وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومحمد محمد حسنين، وفهيم يسى الجندى، والسيد أحمد عفيفى المستشارين.
القضية رقم 1351 سنة 26 القضائية
(أ) قوة الأمر المقضى. اختصاص. مجالس عسكرية. صدور حكم من المجلس
العسكرى بعقوبة من نوع العقوبات المقررة فى القانون الجنائى. جواز محاكمة الجانى من
جديد أمام المحاكم العادية.
(ب) عقوبة. مجالس عسكرية. اختصاص. التزام المحاكم العادية عند تقدير العقوبة على المحكوم
عليه من المجلس العسكرى عند محاكمته من جديد بمراعاة المدة التى نفذت عليه فعلا.
1 – إذا صدر حكم من المجلس العسكرى بعقوبة من نوع العقوبات المقررة فى القانون الجنائى
فإنه لا يحوز قوة الشئ المقضى به ولا يمنع من محاكمة الجانى من جديد أمام المحاكم العادية
وذلك إعمالا لنص المادتين 2، 169 من قانون الأحكام العسكرية.
2 – إن ما نصت عليه المادة 36 من قانون الأحكام العسكرية من أنه " يجب مراعاة مدة الجزاء
التى يكون المتهم قد قضاها" (تنفيذ للحكم العسكرى). لا يمنع المحاكم العادية من السير
فى الدعوى من جديد ومعاقبة المتهم بالعقوبة التى تراها – على أن تراعى حين تقدر العقوبة
– مدة الجزاء التى نفذ بها على المتهم فعلا لا مدة العقوبة المقضى بها مهما بلغت.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين المذكورين بأنهم – بصفتهم موظفين عموميين (عساكر بسلاح الطيران) وأولهم من الأمناء على الودائع. اختلسوا المهمات المبينة الوصف بالمحضر والمملوكة لسلاح الطيران بالجيش المصرى والمسلمة إليهم بسبب وظيفتهم. وطلبت من غرفة الاتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم بالمواد 111 و112 و118 و119 من قانون العقوبات والمعدلة بالمرسوم بقانون رقم 69 لسنة 1953 فقررت بذلك وقد ادعت وزارة الحربية بحق مدنى قدره 94.631 ج على سبيل التعويض قبل المتهمين بالتضامن، وفى أثناء نظر هذه الدعوى أمام محكمة جنايات القاهرة دفع الحاضر عن المتهم الثانى بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من المجلس العسكرى. والمحكمة المذكورة قضت حضوريا عملاً بمواد الاتهام للأول والثالث والمواد 111 و113 و118 و119 من ذات القانون الثانى مع تطبيق المادة 17 من القانون المذكور بالنسبة لجميع المتهمين بمعاقبة كل من حسن لبيب الحوفى ومحمود محمد القبلاوى بالسجن مدة ثلاث سنين ومعاقبة محمود شاهين أحمد بالحبس مع الشغل مدة سنة واحدة ويعزل هؤلاء المتهمين من وظائفهم وبالزامهم برد الأشياء المختلسة أو قيمتها وقدرها 94.631 ج وبغرامة قدرها خمسمائة جنيه بطريق التضامن بينهم مع رفض الدعوى المدنية المرفوعة من وزارة الحربية والزام رافعتها بالمصروفات، وقد ذكرت فى أسباب حكمها أن الدفع فى غير محله. فطعن الطاعنان الأول والثالث فى هذا الحكم بطريق النقض كما طعن فيه أيضا الوكيل عن الطاعن الثانى…. الخ.
المحكمة
(عن الطاعنين الثالثة)
…. وحيث إن مبنى الوجه الأول من الطعون المقدمة من الطاعنين الثالثة هو أن الحكم
المطعون فيه خالف القانون إذ رفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من المجلس
العسكرى فى 21 من أغسطس سنة 1955 فى القضية العسكرية رقم 1584 سنة 1955 والذى قضى عليهم
بعقوبة السجن مع الأشغال الشاقة والفصل من الخدمة العسكرية واستقطاع مبلغ 94.632 ج
من مرتباتهم عن جريمة الاختلاس موضوع الدعوى الحالية وأصبح هذا الحكم نهائيا بالتصديق
عليه فى 24 من أغسطس سنة 1955 ونفذ عليهم فعلا – وقضت المحكمة برفض الدفع بالرغم من
اتحاد الموضوع والخصوم والسبب إذ طبق عليهم المجلس العسكرى مواد الاتهام الحالية مع
إضافة مواد أخرى خاصة بجرائم عسكرية معاقب عليها بمقتضى قانون الأحكام العسكرية سالف
الذكر – وذلك لأن الطاعنين كانوا متهمين فى القضية العسكرية باختلاس مهمات مسلمة إليهم
بصفاتهم أمناء على الودائع وهى نفس التهمة موضوع الدعوى الحالية – فجاء الحكم المطعون
فيه برفض الدفع مخالفا لقانون الأحكام العسكرية الذى يستفاد من نصوصه أن الأحكام التى
تصدرها المجالس العسكرية هى واجبة الاحترام أمام المحاكم العادية – أما استناد الحكم
إلى المادة 36 من قانون الأحكام العسكرية والتى تنص على أن المحاكمة العسكرية لا تمنع
من نظر القاضية مرة أخرى أمام القضاء العادى فمردود بأن ذلك إنما يتعلق بالعقوبات التأديبية
العسكرية وحدها – يؤيد ذلك ما جاء فى الفقرة الخامسة من المادة 169 من هذا القانون
والتى تنص على أن " كل شخص يرتكب فى القطر المصرى أثناء خضوعه للأحكام العسكرية جريمة
من الجرائم التى لم تذكر فى الفقرات الأربع الأولى من هذه المادة يعاقب إما بالجزاء
الذى يفرضه عليه قانون الأحكام العسكرية لكونه أتى أعمالا تضر بحسن الانتظام أو الربط
العسكرى أو بالجزاء المفروض لذلك المذنب فى القانون المصرى الأهلى" كما يؤيد هذا النظر
ما ورد فى الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من هذا القانون من أنها – أى الأحكام العسكرية
ـ مقبولة قانونا لدى جميع المحاكم الملكية – كما يؤيده أيضا ما نص عليه فى المادة 46
من القانون المذكور من أنه إذا ثبت على المتهم جناية ما أمام مجلس حربى لا يعفى من
المحاكمة بعد ذلك أمام مجلس ملكى إلا أنه يجب مراعاة مدة الجزاء التى يكون قد قضها
هذا فضلاً عن أن العدالة لا تسمح بأن يحاكم المتهمون على نفس الجريمة مرتين.
وحيث إن الحكم المطعون فيه تناول دفاع الطاعنين ورد عليه بقوله " وحيث إنه وإن كانت
المحاكمة العسكرية قد شملت جريمة الاختلاس مع جرائم أخرى ضارة بالضبط والربط العسكرى
إلا أن نص المادة 36 من قانون الأحكام العسكرية صريح فى أن المحاكمة العسكرية لا تمنع
من المحاكمة العادية والحكمة فى ذلك واضحة لأن الحكم العسكرى هو فى الواقع بمثابة حكم
تأديبى يراد منه المجازاة على ما يقع من أفعال مخالفة للنظام العسكرى وطبيعى أن هذه
الأفعال قد تصل إلى حد الجرائم التى يعاقب عليها القانون العام ومع ذلك فإن الجزاء
الذى يقضى به المجلس العسكرى عنها لا يكون له أى أثر على الدعوى العمومية التى يبقى
لها – رغم هذا الجزاء كيانها القانونى وهى لا تنقضى إلا بالفصل فيها من المحاكم العادية
– ويبين من ذلك أن الحكم العسكرى الذى توقع على المتهمين فى 21 من أغسطس سنة 1955 –
ليست له حجية أمام هذه الهيئة ولا أثر له على الدعوى الجنائية فلا يؤدى إلى انقضائها
– وهذا النظر يؤيده النص القانونى سالف الذكر ويظاهره الرأى الفقهى الراجح – ولهذا
يكون الدفع بشقيه على غير أساس ويتعين رفضه". ولما كان ما أورده الحكم المطعون فيه
من ذلك سديدا فى القانون إذ أن اختصاص المجالس العسكرية بنظر الجرائم التى يعاقب عليها
قانون الأحكام العسكرية بعقوبات شبيهة فى نوعها بالعقوبات العادية لا تمنع من اختصاص
المحاكم العادية بنظر هذه الجرائم وقد ورد ذلك صراحة فى المادة الثانية من قانون الأحكام
العسكرية التى تنص على أن القانون الملكى يجرى عمله على جميع الأشخاص بوجه العموم وكون
الشخص عسكريا لا يمنعه من الانقياد للقانون الملكى كأحد الأهالى – كما ورد فى المادة
169 التى تنص " على أن كل شخص خاضع للأحكام العسكرية وموجود فى القطر المصرى يجوز محاكمته
أمام المحاكم الأهلية ذات الاختصاص على الجنايات التى يحاكم عليها ولو كان غير خاضع
للأحكام العسكرية". فإذا صدر الحكم من المجلس العسكرى بعقوبة من نوع العقوبات المقررة
فى القانون الجنائى فإنه لا يحوز قوة الشئ المقضى به ولا يمنع من محاكمة الجانى من
جديد أمام المحاكم العادية ويؤيد هذا النظر ما أوردته المادة 36 من قانون الأحكام العسكرية
وهى فى معرض النص على قوة الشئ المقضى به سواء من المحاكم العادية أو المجالس العسكرية
إذ فرقت بين ما إذا كانت الهيئة المعروض عليها الدعوى من جديد مجلسا عسكريا أو محكمة
عادية وجاء نصها صريحا قاطعا فى أنه " إذا ثبتت جناية المتهم أمام مجلس ملكى أو مجلس
عسكرى أو انتهت قضية إيجازية بمعرفة قومندانه لا يجوز محاكمته ثانيا أمام مجلس عسكرى
ولا تجوز مجازاته بمعرفة قومندانه بالنظر إلى الجناية نفسها" ثم أضافت فى الفقرة الثانية
" ثبوت جناية المتهم أمام مجلس عسكرى لا يعفيه من المحاكمة بعد ذلك على الجناية عينها
أمام مجلس ملكى" وقد وردت هذه التفرقة أيضا فى المادة 46 من هذا القانون وهى تكاد تكون
مطابقة للمادة 36 سالفة الذكر مع إضافة حالة أخرى هى حالة الحكم بالبراءة – إذ نصت
على ما يأتى: " إذا ثبت على المتهم جناية أمام مجلس حربى لا يعفى من المحاكمة عليهم
بعد ذلك أمام مجلس ملكى إلا أنه يجب مراعاة مدة الجزاء التى يكون قد قضاها ومن جهة
أخرى إذا ثبت براءة شخص أو إدانته أمام مجلس ملكى أو عسكرى أو انتهت قضية إيجازية أمام
قومندانه فلا تجوز محاكمته ثانية أمام مجلس عسكرى ولا مجازاته بمعرفة القومندان بالنظر
إلى الجناية نفسها" لا يغير من هذا النظر ما ورد فى هذه المادة الأخيرة من أنه " يجب
مراعاة مدة الجزاء التى يكون المتهم قد قضاها" (تنفيذا للحكم العسكرى) وبالعكس فإن
هذه العبارة تقرب وجهة نظر واضع المادة إذ يبين منها بوجه لا يدع مجالا للشك أن المحاكم
العادية ليست ممنوعة من السير فى الدعوى من جديد ومعاقبة المتهم بالعقوبة التى تراها
– على أن تراعى حين تقدر العقوبة – المدة التى يكون المتهم قد قضاها تنفيذا للحكم العسكرى
– وظاهر من صريح النص أن ما يجب على المحكمة مراعاته هو مدة الجزاء التى نفذ بها على
المتهم فعلا وليست مدة العقوبة المقضى بها مهما بلغت – لما كان ذلك، وكانت الدعوى الجنائية
قد رفعت على الطاعنين لأنهم بصفتهم موظفين عموميين (عساكر بسلاح الطيران) وأولهم من
الأمناء على الودائع اختلسوا المهمات المبينة الوصف بالمحضر والمملوكة لسلاح الطيران
المصرى والمسلمة إليهم بسبب وظيفتهم وعقابهم ينطبق على المواد 111 و112 و118 و119 من
قانون العقوبات بالنسبة للمتهمين الأول والثالث وعلى المواد 111 و113 و118 و119 من
ذات القانون بالنسبة للمتهم الثانى المعدلة بالقانون رقم 69 سنة 1953 والتى تنص على
أن يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل موظف أو مستخدم عمومى اختلس أموالا أو أوراقا
أو أمتعة أو غيرها مسلمة إليه بسبب وظيفته وتكون العقوبة الأشغال الشقة المؤبدة إذا
كان الجانى من مأمورى التحصيل أو المندوبين له أو الأمناء على الودائع أو الصيارفة
المنوطين بحساب النقود واختلس شيئا مما سلم إليه بهذه الصفة…. وكان يبين من ملفات
الأحكام العسكرية المرافقة أن المجلس العسكرى قد قضى بمعاقبة الطاعنين الأول والثالث
بالسجن مع الأشغال الشقة لمدة سنة ونصف سنة ومعاقبة الطاعن الثانى بالسجن مع الأشغال
الشاقة لمدة سنة واحدة وكانت العقوبات المقضى بها على هؤلاء الطاعنين لا تصل إلى الحد
الأقصى للعقوبة المنصوص عليها فى المادة 112 من قانون العقوبات فإن المحكمة إذ قضت
برفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من المجلس العسكرى يكون صحيحا فى
القانون – ولما كان الثابت من الأوراق أن الملفات الخاصة بمحاكمة الطاعنين أمام المجلس
العسكرى كانت تحت نظر المحكمة ومرفقة بملف الدعوى وقت أن أصدرت حكمها بمعاقبة الطاعنين
بالسجن ثلاث سنوات وكانت المحكمة قد أوردت فى أسباب حكمها أنها رأت نظرا لظروف الحادث
تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات ونزلت بالعقوبة إلى السجن لمدة ثلاث سنوات وكان
ذلك ما يدل على أنها أدخلت فى اعتبارها وهى تقدر العقوبة أن الطاعنين سبق أن قضوا حوالى
سنة بالسجن تنفيذا للحكم الصادر عليهم من المجلس العسكرى وكانت المحكمة غير ملزمة بالإفصاح
عن الظرف المخفف الذى طبقه فى حق الطاعنين وهى تقدير العقوبة – كما أنها غير ملزمة
بالإشارة إلى نص المادة 46 من قانون المجالس العسكرية لأنها ليست من نصوص قانون العقوبات
التى صار تطبيقها وتوقيع العقاب بموجبها كما تستلزم المادة 310 من قانون الإجراءات
الجنائية فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون له محل.
(عن الطاعن الثالث)
وحيث إن مبنى الوجه الثانى من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه شابه قصور فى التسبيب
إذ اعتمد فى إدانة الطاعن إلى شهادة سماعية تتعارض مع ما هو ثابت فى قائمة الجرد من
عدم وجود عجز فى عهدته وبالرغم من أن دفاعه تأيد بما هو ثابت فى التحقيق على لسان حسن
حبيب الحوفى من أنه وجد لديه زيادة فى العهدة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما يتوافر فيه أركان الجريمة التى دان
الطاعنين بها واستند فى ذلك إلى الأدلة التى أوردها والتى من شأنها أن تؤدى إلى ما
رتب عليها – لما كان ذلك وكان للمحكمة أن تأخذ من أدلة الدعوى بما تطمئن إليه وتطرح
ما عداه فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الوجه لا يعدو أن يكون جدلا فى موضوع الدعوى مما
لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض.
وحيث إنه لذلك يكون الطعن على غير أساس ويتعين رفضه موضوعا.
