الطعن رقم 227 سنة 21 ق – جلسة 26 /03 /1951
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة الثانية – صـ 870
جلسة 26 من مارس سنة 1951
القضية رقم 227 سنة 21 القضائية
برياسة حضرة صاحب السعادة أحمد محمد حسن باشا رئيس المحكمة، وبحضور
حضرات أصحاب العزة: أحمد فهمي إبراهيم بك وكيل المحكمة وأحمد حسني بك وحسن إسماعيل
الهضيبي بك وفهيم إبراهيم عوض بك المستشارين.
دفاع. شهود نفي. عدم إعلان المتهم إياهم طبقاً لما رسمه القانون. ليس له الحق في طلب
تأجيل الدعوى لإعلانهم. للمحكمة تقدير وجاهة الطلب. النظم التي وضعها القانون لإعلان
الشهود. لم يقصد منها الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية. رفض المحكمة تأجيل
الدعوى لإعلان شاهد بناءً على أن ما سيقوله منقوض بشهادة الشهود الآخرين الذين لا شبهة
في أقوالهم. إخلال بحق الدفاع.
إن القانون مع وضعه النظم التي يتبعها المتهم في إعلان الشهود الذين يرى لنفسه مصلحة
في سماعهم أمام محكمة الجنايات لم يقصد مطلقاً إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات
الجنائية التي تقوم على أن المعول عليه بصفة أصلية يجب أن يكون هو التحقيق الشفهي الذي
تجريه المحكمة بنفسها في الجلسة وتسمع فيه الشهود سواء لإثبات التهمة أو لنفيها على
أن يكون لها بعدئذ أن تتزود إلى جانب ذلك بجميع ما في الدعوى من عناصر بشرط أن تكون
مطروحة للبحث بالجلسة. وإذا كان القانون قد خول المحكمة بما لها من الهيمنة على الإجراءات
أن تقدر وجاهة طلب المتهم الذي لم يسلك السبيل المرسوم لإعلان شهوده فإنما ذلك مفاده
أن القانون خولها تقدير ما إذا كان جاداً في طلبه وله مصلحة فيه أو أن طلبه غير منتج
أو أنه لم يقصد به سوى تعطيل الفصل في الدعوى. فإذا كانت المحكمة قد رفضت طلب الطاعن
تأجيل الدعوى وبررت ذلك بأن شهادة الشاهد الذي طلب سماعه لن تجديه شيئاً لأنها منقوضة
بشهادة الشهود الآخرين فإنها تكون قد أخلت بحق المتهم في الدفاع, إذ ذلك منها سبق بالحكم
بكذب الشاهد على افتراض أنه سيقول ما قاله في التحقيق أو أنها لن تتأثر بسماعها له
بغير الأثر الذي حدث من اطلاعها على أقواله المدونة في حين أنه قد يدلي بغير ما أدلى
به في التحقيق وفي حين أن تقدير الشهادة لا يكون بالقول المجرد ولكن أيضاً بكيفية أداء
الشاهد للشهادة وموقفه ومسلكه أمام المحكمة.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه بدائرة قسم الدرب الأحمر محافظة مصر: ضرب سعيد محمد رزق فأحدث به الإصابة المبينة في التقرير الطبي الشرعي والتي تخلفت من إجرائها لدى المجني عليه عاهة مستديمة يستحيل برؤها وهي فقد جزء من عظام الجمجمة الواقية لخلايا المخ مما يجعله عرضه للالتهابات والتأثيرات الجوية وتقلل عن كفاءته على العمل – غير أنه نظراً لخطورة ما قد ينتج عن هذه الإصابة من مضاعفات فإنه ليس من المتيسر تحديد مداها بتقدير رقي من النسبة المئوية وطلبت من قاضي الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمادة 240 – 1 من قانون العقوبات, فقرر بذلك. ومحكمة جنايات مصر قضت عملاً بمادة الاتهام المذكورة آنفاً بمعاقبة المتهم بالسجن ثلاث سنوات. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض إلخ.
المحكمة
… حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه طلب إلى
المحكمة تأجيل الدعوى لإعلان شاهد نفي, فلم تجبه إلى هذا الطلب, مع أن القضية كانت
منظورة لأول مرة, ومن حق المتهم طلب التأجيل لإعلان شهوده وفضلاً عن هذا, فإن المحكمة
قد بررت رفضها لهذا الطلب بأن شهادته منقوضة بشهادة شهود الإثبات, مع أنها لم تكن قد
سمعته ولا سمعتهم.
وحيث إنه يبين من الاطلاع على أوراق المحاكمة أن محامي الطاعن تقدم إلى المحكمة قبل
بدء نظر الدعوى بطلب تأجيلها لاستدعاء شاهد نفي فرفضت المحكمة هذا الطلب, وسارت في
سماع الدعوى. ثم أنه في مرافعته بعدئذ أشار إلى ما شهد به ذلك الشاهد في التحقيق, وقال:
"لهذه الشكوك كنت ملتمساً إحضار شاهد النفي", والمحكمة قضت بإدانته, وأشارت في الحكم
إلى هذا الطلب بقولها: "أما استناد المتهم الأول إلى ذلك الذي شهد به إبراهيم السيد
عامر في التحقيقات فإن هذا لا يجديه شيئاً لأن شهادة هذا الشاهد منقوضة بشهادة أولئك
الشهود الذين لم تبد للمحكمة أية شبهة في صحة شهادتهم على خلاف هذا الشاهد الذي تقدم
به المتهم وما يوحى به تقديمه من محاولة تخليصه من التهمة المسندة إليه مما ترى المحكمة
معه عدم الاطمئنان إلى صحة هذه الشهادة وأنه من المتعين لذلك إطراحها, ومن ثم فلم ترَ
المحكمة وجهاً لإجابة طلب المتهم سماع أقوال هذا الشاهد".
وحيث إنه وإن كان ما يذهب إليه الطاعن من أن للمتهم الحق في تأجيل نظر الدعوى لسماع
شهوده إذا كانت تنظر لأول مرة غير صحيح لأن قانون محاكم الجنايات قد رسم الطريق التي
يسلكها المتهم في إعلان الشهود الذين يرى لنفسه مصلحة في سماعهم أمام المحكمة وذلك
بأن يطلب إلى قاضي الإحالة الأمر بإعلانهم أو يعلنهم هو إذا لم يأمر قاضي الإحالة بإعلانهم
بحيث إنه إذا لم يسلك ذلك الطريق فإن المحكمة تكون في حل من إجابة طلبه أو عدم إجابته
إلا أن ما رسمه القانون من ذلك إن هو إلا بعض ما وضعه لتنظيم إجراءات المحاكمة أمام
محاكم الجنايات لكي يتيسر لها الفصل في القضايا في الدور المحدد لها دون تأخير فينال
المجرم جزاءه, ويتحقق بذلك الردع المقصود من العقاب والذي لا يتأتى على أكمله إلا إذا
حصل على وجه السرعة أو تتضح براءته فلا يبقى الاتهام معلقاً عليه – مع ذلك كله فإن
القانون إذ وضع تلك النظم لم يقصد مطلقاً إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية
التي تقوم على أن المعول عليه بصفة أصلية يجب أن يكون هو التحقيق الشفهي الذي تجريه
المحكمة بنفسها في الجلسة وتسمع فيه الشهود سواء أكانوا لإثبات التهمة أم نفيها على
أن يكون لها بعدئذ أن تتزود إلى جانب ذلك بكافة ما في الدعوى من عناصر بشرط أن تكون
مطروحة للبحث بالجلسة فإذا كان القانون قد خول للمحكمة بما لها من الهيمنة على الإجراءات
أن تقدر وجاهة طلب المتهم الذي لم يسلك السبيل المرسوم لإعلان شهوده فإنما ذلك مفاده
أن القانون خولها تقدير ما إذا كان جاداً في طلبه وله مصلحة فيه أو أن طلبه غير منتج
أو أنه لم يقصد به سوى تعطيل الفصل في الدعوى. كما قد يستفاد من تنكبه ذلك السبيل وأنه
لو كان قد رأى لنفسه مصلحة في سماع المحكمة لهم لقام بإعلانهم قبل الجلسة ما دام هو
قد أعلن لها في الميعاد الذي حدده القانون.
وحيث إنه إذا تقرر هذا فإن المحكمة إذ بررت رفض طلب الطاعن تأجيل الدعوى بأن شهادة
الشاهد الذي طلب سماعه لن تجديه شيئاً لأنها منقوضة بشهادة الشهود الآخرين الذين لم
تبد لها أية شبهة في صحة شهادتهم وأنها لذلك لا تطمئن إلى ما شهد به في التحقيق ولا
ترى وجهاً لإجابة طلب المتهم سماعه. إذا بررت المحكمة رفضها لذلك ورفضت الطلب قبل أن
تبدأ بسماع الدعوى تكون قد أخلت بحق دفاع المتهم بالحكم بكذب الشاهد على افتراض أنه
سيقول ما قاله في التحقيق أو أنها لن تتأثر بسماعها له بغير الأثر الذي حدث من اطلاعها
على أقواله المدونة. كما أنها فندت شهادته مقدماً بأقوال شهود الإثبات قبل أن تسمعهم
وقد يكون الواقع غير ما افترضته المحكمة فيقول هذا الشاهد غير ما قاله في التحقيق أو
يقول شهود الإثبات غير ما قالوه أو يتضح لها من مناقشتهم عدم صحة شهادتهم كما أن الحكمة
في التحقيق الشفهي هي أن تقدر المحكمة شهادة الشهود لا بالقول المجرد الذي يصدر عنهم
وحده ولكن أيضاً بكيفية أدائهم للشهادة وموقفهم ومسلكهم أمامها.
وحيث إنه لذلك فان المحكمة إذ رفضت سماع الشاهد الذي طلب الطاعن سماعه تكون قد أخلت
بحقه في الدفاع مما يعيب حكمها ويوجب نقضه.
وحيث إن لذلك يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه وذلك من غير حاجة لبحث باقي
أوجه الطعن.
