الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 47 لسنة 22 قضائية “دستورية” – جلسة 10 /02 /2002 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء العاشر
من أول أكتوبر 2001 حتى آخر أغسطس 2003 – صـ 157

جلسة 10 فبراير سنة 2002

برئاسة السيد المستشار/ عبد الرحمن نصير – نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي وحضور السيد المستشار/ سعيد مرعي عمرو – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 47 لسنة 22 قضائية "دستورية"

1- دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط المصلحة الشخصية المباشرة كشرط لقبول الدعوى الدستورية أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي.
2 – حق التقاضي "المحاكمة المنصفة: ضمانة الدفاع: صلتها بالحرية الشخصية".
ارتباط حق التقاضي بالمحاكمة المنصفة وضمانة الدفاع باعتبارها جميعها أسساً رئيسية في إدارة العدالة. كفالة الدستور في مادته السابعة والستين الحق في المحاكمة المنصفة بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. اتصال هذه الضمانات، في نطاق الاتهام الجنائي، بالحرية الشخصية المنصوص عليها في المادة 41 من الدستور.
3 – حق التقاضي "إعماله – أشكاله الإجرائية: تعددها".
يجوز للمشرع، في مجال إعمال حق التقاضي أن يعدد الأشكال الإجرائية التي يقتضيها إنفاذ هذا الحق وبما لا إخلال فيه بأبعاده التي كفلها الدستور.
4 – حق الدفاع "سيادة القانون: ضمانة الدفاع".
كفالة الدستور ضمانة الدفاع بنص المادة في إطار سيادة القانون. إنفاذ هذه الضمانة يعتبر مفترضاً أولياً لصون حقوق الأفراد وحرياتهم. ضرورة كفالة القانون لغير القادرين مالياً وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، إعمالاً للفقرة الثانية من المادة المشار إليها.
5 – سلطة المشرع التقديرية في تنظيم الحقوق "حدودها: تنظيم حق التقاضي: محاكمة الأحداث".
الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة. ليس ثمة تناقض بين كفالة الدستور حق التقاضي وبين تنظيمه تشريعياً، بشرط ألا يؤدي هذا التنظيم إلى حظره أو إهداره. تنظيم المشرع محاكمة الأحداث المتهمين بارتكاب جنايات أمام محكمة الأحداث؛ أساسه: اعتبار هذه المحكمة القاضي الطبيعي وفقاً للرؤية الحضارية لإجرام الأحداث وجنوحهم، فضلاً عن استهداف المشرع مصلحة عامة مشروعة تقوم على أسس موضوعية تبرر هذا التنظيم؛ أثر ذلك: عدم الإخلال بضمانة المحاكمة المنصفة وحق الدفاع.
6 – رقابة دستورية "مناطها: مخالفة دستورية: تطبيق التشريع".
الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية النصوص القانونية، مناطها: مخالفة هذه النصوص للدستور. ما أثاره المدعي من أن الواقع قد كشف عن تقاعس الخبراء، الذين يتضمنهم تشكيل محكمة الأحداث، عن أداء أعمالهم، يُعد أمراً متعلقاً بتطبيق النصوص القانونية؛ أثر ذلك: أنه لا شأن للرقابة الدستورية بكيفية تطبيق هذه النصوص عملاً.
7 – مبدأ المساواة "اختلاف المراكز القانونية: تمييز مبرر".
لا يُقصد بهذا المبدأ معاملة فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة. لا يُتصور أن يكون التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يتغياها المشرع. اختلاف المركز القانوني للحدث الذي يرتكب الجناية وحده، عن الحدث الذي تجاوز عمره الخمس عشرة سنة وارتكب الجناية مع غير حدث؛ أثر ذلك: التمييز بين الحالتين يُعد مبرراً دستورياً.
1 – من المقرر- وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوع يدور حول اتهام الحدث وحده بارتكاب جناية هتك عرض وإحالته إلى محكمة جنح الأحداث لمحاكمته، وكان المدعي يرمي من وراء دفعه بعدم الدستورية أن تتم محاكمة الحدث المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات بتشكيلها العادي مع تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في مواد الجنايات، فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد فيما ورد بنص الفقرتين (1، 2) من المادة والفقرة الأولى من المادة والمادة من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة.
2 – المحاكمة المنصفة والحق في التقاضي وضمانة الدفاع، وإن كان لكل منها مجاله إلا أنها ترتبط جميعاً برباط وثيق باعتبارها أسساً رئيسية في إدارة العدالة، وقد كفل الدستور في مادته السابعة والستين الحق في المحاكمة المنصفة، بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وهو حق نص عليه الإعلان العالي لحقوق الإنسان في مادتيه العاشرة والحادية عشرة التي تقرر أولهما: أن لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره في محاكمة علنية ومنصفة، تقوم عليها محكمة مستقلة ومحايدة، تتولى الفصل في حقوقه والتزماته المدنية، أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، وتردد ثانيتهما في فقرتها الأولى: حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية في أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته في محاكمة علنية توفر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه وهي قواعد استقر العمل على تطبيقها في الدول الديمقراطية، وتقع في إطارها مجموعة الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوماً للعدالة، يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول المتحضرة، فتتصل بتشكيل المحكمة، وقواعد تنظيمها، وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها كما أنها تعتبر في نطاق الاتهام الجنائي، وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي نص الدستور في المادة على أنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه.
3 – في مجال إعمال حق التقاضي، فإن المشرع – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائي للخصومة القضائية، لا يمكن أن يعكس أنماطاً جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقاً في الشكلية ولو كان عقمها بادياً، وإنما يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم، ليختار منها ما يكون مناسباً لخصائص المنازعات التي يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً، فتتعدد بالتالي الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التي كفلها الدستور، وعلى الأخص من زاوية ضماناته الرئيسية التي تمثل إطاراً حيوياً لصون الحقوق على اختلافها.
4 – ضمانة الدفاع التي كفلها الدستور بنص المادة ، لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي والمحاكمة المنصفة، وقد نظم الدستور في إطار من سيادة القانون ضمانة الدفاع محدداً بعض جوانبها، كافلاً إنفاذها باعتبارها مفترضاً أولياً لصون حقوق الأفراد وحرياتهم، بل إن الدستور في الفقرة الثانية من المادة سالفة الإشارة قد نص على أن يكفل القانون لغير القادرين مالياً وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، ليؤمن بذلك حق المعوزين فيما يعينهم على صون حقوقهم وحرياتهم.
5 – الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينه تعتبر حداً لها، كما جرى قضاء هذه المحكمة على أنه ليس ثمة تناقض بين حق التقاضي كحق دستوري، وبين تنظيمه تشريعياً، بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم وسيلة إلى حظر حق التقاضي أو إهداره، فإن مؤدى ما تقدم، أن محكمة الأحداث بتشكيلها المنصوص عليه في القانون واختصاصها بنظر الجنايات التي تهم فيها الحدث – وعلى نحو ما أفصحت عنه النصوص الطعينة محددة نطاقاً على نحو ما سلف – تعتبر القاضي الطبيعي وفقاً للرؤية الحضارية لإجرام الأحداث وجنوحهم، وقد تغيا المشرع من تقرير هذه النصوص مصلحة عامة مشروعة تقوم على أسس موضوعية تبرر ما تضمنته من أحكام، ومن ثم فإن قالة الإخلال بضمانة المحاكمة المنصفة، وحق الدفاع، تكون على غير أساس.
6 – ما أثاره المدعي، من أن تواجد الخبيرين ضمن تشكيل محكمة الأحداث لا يشكل ضمانة كافية، إذ يكشف الواقع عن تقاعس الخبراء عن أداء الأعمال المنوطة بهم، مردود بأن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية النصوص القانونية، مناطها مخالفة هذه النصوص للدستور، ولا شأن لها بكيفية تطبيقها عملاً.
7 – جرى قضاء هذه المحكمة على أنه لا يجوز للمشرع إجراء تمييز بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة التي تتحدد وفقاً لشروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون، فالمساواة لا تعني أن تعامل فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، فليس صحيحاً القول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يتغياها المشرع. وقد سبق بيان أن لإجرام الأحداث طبيعة خاصة وأن التدابير الاحترازية والعقوبات التي يجوز توقيعها عليهم لا تستهدف الإيلام بقدر ما تبغي التقويم، إذ أن سقوطهم في هوة الإجرام لا يرجع – في الغالب – إلى نفوس شريرة بقدر ما يكون نتيجة لظروف بيئية واجتماعية ساهمت في دفعهم إلى ذلك، ومن ثم فإن المركز القانوني للحدث الذي يتهم في جناية يختلف عن مركز غير الحدث المتهم بذات الجناية، مما ينهض مبرراً منطقياً لاختلاف المحكمة المختصة بمحاكمة كل منهما وكذلك اختلاف الإجراءات المتبعة في المحاكمة فتغدو محكمة الأحداث بتشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها وفقاً للقانون هي القاضي الطبيعي لمحاكمة الأول، بينما تكون محكمة الجنايات أو أمن الدولة العليا حسب الأحوال هي القاضي الطبيعي لمحاكمة الثاني، أما في حالة ارتكاب الحدث جناية أسهم فيها غير حدث فقد نصت المادة (122/ 2) على اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بالفصل في هذه الجريمة ولكن النص وضع تحفظات تتمثل في أن يكون عمر الحدث جاوز الخامسة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، وأن يقتضي الأمر رفع الدعوى الجنائية على الطفل ومن أسهم في الجريمة من غير الأحداث، كما أوجبت على المحكمة أن تبحث – قبل إصدار حكمها – ظروف الطفل من جميع الوجوه ولها الاستعانة في ذلك بمن تراه من الخبراء، وغني عن البيان أنه لا يمكن أن يوقع على الطفل عقوبة استبعد قانون الطفل توقيعها عليه وفقاً لعمره، وليس من شك أن حسن إدارة العدالة الجنائية يوجب في هذه الحالة أن تتم المحاكمة أمام محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا نظراً لوحدة الواقعة. ولم يكن منطقياً على الإطلاق أن يحاكم غير الحدث في هذه الحالة أمام محكمة الأحداث التي تستهدف إجراءاتها توفير رعاية اجتماعية للحدث ابتغاء تقويمه والحفاظ على مستقبلة، ومن ثم يختلف المركز القانوني للحدث الذي يرتكب الجناية وحده، عن الحدث الذي تجاوز عمره الخمس عشرة سنة وارتكب الجناية مع غير حدث واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليهما معاً فيكون التمييز بين الحالتين مبرراً دستورياً وبالتالي لا تكون النصوص الطعينة مارقة عن مبدأ المساواة القانونية.


الإجراءات

بتاريخ الثالث والعشرين من فبراير سنة 2000، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة، طالباً الحكم بعدم دستورية نصوص المواد أرقام (121، 122، 124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد اتهمت الحدث (ابن المدعي) بارتكاب جناية هتك عرض، وقدمته للمحاكمة أمام محكمة جنح مركز الفيوم لمعاقبته بالمواد المبينة بأمر الإحالة. وأثناء نظر الدعوى دفع المتهم بعدم دستورية المواد (121 و 122 و124) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام المدعي الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 تنص على أن "تشكل محكمة الأحداث من ثلاثة قضاة. ويعاون المحكمة خبيران من الأخصائيين أحدهما على الأقل من النساء ويكون حضورهما إجراءات المحاكمة وجوبياً. وعلى الخبيرين أن يقدما تقريرهما للمحكمة بعد بحث ظروف الطفل من جميع الوجوه وذلك قبل أن تصدر المحكمة حكمها.
ويعين الخبيران المشار إليهما بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع وزير الشئون الاجتماعية وتحدد الشروط الواجب توافرها فيمن يعين خبيراً بقرار من وزير الشئون الاجتماعية.
ويكون استئناف الأحكام الصادرة من محكمة الأحداث أمام محكمة استئنافية تشكل بكل محكمة ابتدائية من ثلاثة قضاة. اثنان منهما على الأقل بدرجة رئيس محكمة. ويراعى حكم الفقرتين السابقتين في تشكيل المحكمة".
كما تنص المادة من القانون ذاته على أن "تختص محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر في أمر الطفل عند اتهامه في إحدى الجرائم أو تعرضه للانحراف. كما تختص بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في المواد من إلى والمادة من هذا القانون.
واستثناء من حكم الفقرة السابقة يكون الاختصاص لمحكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بحسب الأحوال، بنظر قضايا الجنايات التي يتهم فيها طفل جاوزت سنه خمس عشرة سنة وقت ارتكابه الجريمة متى أسهم في الجريمة غير طفل واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليه مع الطفل. وفي هذه الحالة يجب على المحكمة قبل أن تصدر حكمها أن تبحث ظروف الطفل من جميع الوجوه. ولها أن تستعين في ذلك بمن تراه من الخبراء".
كما تنص المادة على أن "يتبع أمام محكمة الأحداث في جميع الأحوال القواعد والإجراءات المقررة في مواد الجنح ما لم ينص القانون على خلاف ذلك".
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، وكان النزاع الموضوعي يدور حول اتهام الحدث وحده بارتكاب جناية هتك عرض وإحالته إلى محكمة جنح الأحداث لمحاكمته، وكان المدعي يرمي من وراء دفعه بعدم الدستورية أن تتم محاكمة الحدث المتهم بجناية أمام محكمة الجنايات بتشكيلها العادي مع تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في مواد الجنايات، فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد فيما ورد بنص الفقرتين (1، 2) من المادة والفقرة الأولى من المادة والمادة من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، ولا يمتد إلى غير ذلك من أحكام حوتها النصوص الطعينة.
وحيث إن المدعي ينعي على النصوص السالفة – محددة نطاقاً على النحو المتقدم – إخلالها بضمانات المحاكمة المنفصلة وحق الدفاع، فضلاً عن إهدار مبدأ المساواة أمام القانون، وقال شرحاً لذلك أن محاكمة الحدث المتهم بجناية – رغم جسامة العقوبة – تتم أمام قضاة المحكمة الابتدائية الأقل خبرة من المستشارين الذين يحاكم أمامهم غيرهم من المتهمين في الجنايات، ولا يقدح في ذلك – على ما يرى المدعي – وجود خبيرين أحدهما على الأقل من النساء ضمن تشكيل محكمة الأحداث، إذ كشف التطبيق العملي عن تقاعس هؤلاء الخبراء عن أداء عملهم على نحو فعال، كما أن النص على تطبيق القواعد والإجراءات أمام محكمة الجنح عند محاكمة الحدث، دون تطبيق القواعد والإجراءات المنصوص عليها أمام محكمة الجنايات، يمكن أن يؤدي إلى توكيل محام مبتدئ ليست لديه الخبرة الكافية للدفاع عن الحدث، هذا بالإضافة إلى أنه عند محاكمة المتهمين بارتكاب جناية يؤدي تطبيق النصوص الطعينة إلى الإخلال بمبدأ المساواة من وجهين أولهما: التمييز بين المتهم الحدث وغيره إذ يحاكم الأول أمام محكمة الجنح بينما يحاكم الثاني أمام محكمة الجنايات، وثانيهما: بين المتهم الحدث المسند إليه ارتكاب جناية بمفرده، وبين الحدث الذي تزيد سنه على خمس عشرة سنة إذا اتهم بارتكاب جناية ساهم فيها غير حدث، إذ يحاكم الأول أمام محكمة الجنح بينما يحاكم الثاني أمام محكمة الجنايات.
وحيث إن المحاكمة المنصفة والحق في التقاضي وضمانة الدفاع، وإن كان لكل منها مجاله إلا أنها ترتبط جميعاً برباط وثيق باعتبارها أسساً رئيسية في إدارة العدالة، وقد كفل الدستور في مادته السابعة والستين الحق في المحاكمة المنصفة، بما تنص عليه من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وهو حق نص عليه الإعلان العالي لحقوق الإنسان في ماديته العاشرة والحادية عشرة التي تقرر أولهما: أن لكل شخص حقاً مكتملاً ومتكافئاً مع غيره في محاكمة علنية ومنصفة، تقوم عليها محكمة مستقلة ومحايدة، تتولى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية، أو في التهمة الجنائية الموجهة إليه، وتردد ثانيتهما في فقرتها الأولى: حق كل شخص وجهت إليه تهمة جنائية في أن تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته في محاكمة علنية توافر له فيها الضمانات الضرورية لدفاعه وهي قواعد استقر العمل على تطبيقها في الدول الديمقراطية، وتقع في إطارها مجموعة من الضمانات الأساسية تكفل بتكاملها مفهوماً للعدالة، يتفق بوجه عام مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول المتحضرة، فتتصل بتشكيل المحكمة، وقواعد تنظيمها وطبيعة القواعد الإجرائية المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها، كما أنها تعتبر في نطاق الاتهام الجنائي، وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التي نص الدستور في المادة على أنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها بالمخالفة لأحكامه.
وحيث إنه في مجال إعمال حق التقاضي، فإن المشرع – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائي للخصومة القضائية، لا يمكن أن يعكس أنماطاً جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقاً في الشكلية ولو كان عقمها بادياً، وإنما يتعين دوماً أن يفاصل المشرع بين صور هذا التنظيم، ليختار منها ما يكون مناسباً لخصائص المنازعات التي يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً، فتتعدد بالتالي الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التي كفلها الدستور، وعلى الأخص من زاوية ضماناته الرئيسية التي تمثل إطاراً حيوياً لصون الحقوق على اختلافها.
وحيث إن ضمانة الدفاع التي كفلها الدستور بنص المادة ، لا يمكن فصلها أو عزلها عن حق التقاضي والمحاكمة المنصفة، وقد نظم الدستور في إطار من سيادة القانون ضمانة الدفاع محدداً بعض جوانبها، كافلاً إنفاذها باعتبارها مفترضاً أولياً لصون حقوق الأفراد وحرياتهم، بل إن الدستور في الفقرة الثانية من المادة سالفة الإشارة قد نص على أن يكفل القانون لغير القادرين مالياً وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم، ليؤمن بذلك حق المعوزين فيما يعينهم على صون حقوقهم وحرياتهم.
وحيث إن البين من استقراء أحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 أن الباب الثامن منه قد خصص لبيان المعاملة الجنائية للأحداث والتي تسري على من لا يجاوز الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة أو عند وجوده في إحدى حالات التعرض للانحراف فقرر امتناع المسئولية الجنائية للطفل دون السابعة، وبالنسبة لمن تجاوزها ولما يبلغ الخامسة عشرة فلا يوقع عليه سوى تدابير احترازية معينة، واستبعد تطبيق بعض العقوبات على من بلغ الخامسة عشرة ولم يتجاوز السادسة عشرة، كما منع تطبيق عقوبات معينه على من بلغ السادسة عشرة ولم يتجاوز الثامنة عشرة، وخول المحكمة المختصة إعمال المادة السابعة عشرة من قانون العقوبات بالنزول بالعقوبة على النحو الوارد بها، وأوجب ندب محام للدفاع عن الحدث إن كان متهماً بجناية وأجاز ذلك إن كان متهماً في جنحة، وقد جاءت هذه الأحكام استرشاداً بمضمون ما حوته المواثيق الدولية المعنية بالأطفال ومن بينها الإعلان العالمي لحقوق الطفل واتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ونمائه، واستهدفت أحكام القانون المشار إليه – على ما أفصحت عنه مذكرته الإيضاحية – أن يتضمن باباً للمعاملة الجنائية للطفل يرسم أبعادها ويحدد نطاقها ويضع ضوابطها الموضوعية والإجرائية مستهدفاً بها في جميع الأحوال وقاية الطفل من خطر الانحراف والجناح وإصلاح سلوكه وتقويمه والبعد به عن شبهات الإجرام ومظانه، وإدراكاً لحقيقة ثابتة هي أن الطفل لا يطرق باب الإجرام لشر متأصل في نفسه وإنما الغالب أنه يكون ضحية الظروف الاجتماعية والبيئية التي تحيط به، لذلك أخذ المشرع بنظرية الخطورة الاجتماعية وهي نظرية علمية معروفة تنبه إلى مختلف العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر على الطفل وقد تؤدي إلى وقوعه في الجريمة، فيتعين أن يعامل الطفل بأساليب الإصلاح والوقاية أكثر مما يعامل بالأسباب الجنائية التي تتضمن معنى الإيلام والعقاب.
وحيث إنه بالنسبة لتشكيل المحكمة المختصة بمحاكمة الأحداث فإنه يبين من استعراض نصوص الباب الثامن من قانون الطفل المتعلقة بالمعاملة الجنائية له، أن المشرع – وعلي نهج ما أخذ ت به كثير من الدول المتحضرة وما كان عليه الحال في التشريعات السابقة بشأن الأحداث – قد أخذ بمبدأ تخصص القضاة عند محاكمة الأحداث، لتحقيق كل صور الرعاية لهم، وراعى في تشكيل محكمة الأحداث – القانون الحالي – زيادة الضمانات المقررة للأحداث بأن جعل تشكيل هذه المحكمة من ثلاثة قضاة بدلاً من قاض واحد في القانون السابق، وخصها – كأصل عام – بمحاكمة الحدث المتهم بجناية، باعتبار أن إجرام الحدث – وفقاً للنظريات الحديثة التي اعتنقها المشرع – يغلب عليه الطابع الاجتماعي ولا ينطوي على خطورة إجرامية متأصلة، كما أن القاضي لا يجلس مجلس القضاء إلا بعد بلوغه سناً معينة واكتسابه الخبرات العلمية والعملية التي تؤهله للفصل في مثل هذه القضايا، خاصة مع أخذ المشرع بالاتجاهات الجنائية الحديثة التي تبتعد بالعقوبة المقررة للحدث عن قصد الإيلام والردع بجعلها وسيلة لوقايته من خطر الانحراف تمهيداً لإعادته عضواً صالحاً في مجتمعه، كما ضم إلى تشكيل محكمة الأحداث اثنين من الخبراء أحدهما على الأقل من النساء، حتى يكون تواجدهما أثناء المحاكمة عاملاً فعالاً في تفهم مشاكل كل حدث وحلها، كما أن هذا التواجد الدائم لهذين الخبيرين يضمن للقاضي الاستعانة بهما كلما اقتضى الأمر ذلك، فضلاً عما يمكن أن يؤدي إليه تواجدهما ضمن تشكيل المحكمة من بث الأمن والطمأنينة في نفس الحدث، ومن جهة أخرى فإن الحكم – بغض النظر عن درجة المحكمة التي أصدرته – هو عنوان الحقيقة، لا يصدر إلا بعد مواجهة الحدث بالتهمة وتحقيق دفاعه تحقيقاً كاملاً، فضلاً عن جواز الطعن بالاستئناف فيما تصدره محكمة الأحداث من أحكام سواء في الجنايات أو الجنح.
وحيث إنه بالنسبة للإجراءات المتبعة أمام محكمة الأحداث – حتى لو كان الحدث متهماً بجناية – فإنما تهدف إلى تبسيط إجراءات المحاكمة وسرعة الفصل في الادعاء دون إخلال بالحق في الدفاع، وللحد من تأثير طول الإجراءات وما قد تتركه من آثار على نفسية الحدث ومستقبله.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينه تعتبر حداً لها، كما جرى قضاء هذه المحكمة على أنه ليس ثمة تناقض بين حق التقاضي كحق دستوري، وبين تنظيمه تشريعياً، بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم وسيلة إلى حظر حق التقاضي أو إهداره، فإن مؤدى ما تقدم، أن محكمة الأحداث بتشكيلها المنصوص عليه في القانون واختصاصها بنظر الجنايات التي يتهم فيها الحدث – وعلى نحو ما أفصحت عنه النصوص الطعينة محددة نطاقاً على نحو ما سلف – تعتبر القاضي الطبيعي وفقاً للرؤية الحضارية لإجرام الأحداث وجنوحهم، وقد تغيا المشرع من تقرير هذه النصوص مصلحة عامة مشروعة تقوم على أسس موضوعية تبرر ما تضمنته من أحكام، ومن ثم فإن قالة الإخلال بضمانه المحاكمة المنصفة، وحق الدفاع، تكون على غير أساس، ولا ينال من النتيجة المتقدمة ما أثاره المدعي، من أن تواجد الخبيرين ضمن تشكيل محكمة الأحداث لا يشكل ضمانة كافية، إذ يكشف الواقع عن تقاعس الخبراء عن أداء الأعمال المنوطة بهم، ذلك أن الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية النصوص القانونية، مناطها مخالفة هذه النصوص للدستور، ولا شأن لها بكيفية تطبيقها عملاً.
وحيث إنه بالنسبة للنعي بمخالفة نص المادة سالفة الذكر لمبدأ المساواة، فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أنه لا يجوز للمشرع إجراء تمييز بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة التي تتحدد وفقاً لشروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون، فالمساواة لا تعني أن تعامل فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، فليس صحيحاً القول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتبارها وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعية تلك الأغراض، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها، إذ لا يتصور أن يكون التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يتغياها المشرع.
وحيث إنه وقد سبق بيان أن لإجرام الأحداث طبيعية خاصة وأن التدابير الاحترازية والعقوبات التي يجوز توقيعها عليهم لا تستهدف الإيلام بقدر ما تبغي التقويم، إذ أن سقوطهم في هوة الإجرام لا يرجع – في الغالب – إلى نفوس شريرة بقدر ما يكون نتيجة لظروف بيئية واجتماعية ساهمت في دفعهم إلى ذلك، ومن ثم فإن المركز القانوني للحدث الذي يتهم في جناية يختلف عن مركز غير الحدث المتهم بذات الجناية، مما ينهض مبرراً منطقياً لاختلاف المحكمة المختلفة بمحاكمة كل منهما وكذلك اختلاف الإجراءات المتبعة في المحاكمة فتغدو محكمة الأحداث بتشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها وفقاً للقانون هي القاضي الطبيعي لمحاكمة الأول، بينما تكون محكمة الجنايات أو أمن الدولة العليا حسب الأحوال هي القاضي الطبيعي لمحاكمة الثاني، أما في حالة ارتكاب الحدث جناية أسهم فيها غير حدث فقد نصت المادة (122/ 2) على اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا بالفصل في الجريمة ولكن النص وضع تحفظات تتمثل في أن يكون عمر الحدث جاوز الخامسة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، وأن يقتضي الأمر رفع الدعوى الجنائية على الطفل ومن أسهم في الجريمة من غير الأحداث، كما أوجبت على المحكمة أن تبحث – قبل إصدار حكمها – ظروف الطفل من جميع الوجوه ولها الاستعانة في ذلك بمن تراه من الخبراء، وغني عن البيان أنه لا يمكن أن يوقع على الطفل عقوبة استبعد قانون الطفل توقيعها عليه وفقاً لعمره، وليس من شك أن حسن إدارة العدالة الجنائية يوجب في هذه الحالة أن تتم المحاكمة أمام محكمة الجنايات أو محكمة أمن الدولة العليا نظراً لواحدة الواقعة. ولم يكن منطقياً على الإطلاق أن يحاكم غير الحدث في هذه الحالة أمام محكمة الأحداث التي تستهدف إجراءاتها توفير رعاية اجتماعية للحدث ابتغاء تقويمه والحفاظ على مستقبلة، ومن ثم يختلف المركز القانوني للحدث الذي يرتكب الجناية وحده، عن الحدث الذي تجاوز عمره الخمس عشرة سنة وارتكب الجناية مع غير حدث واقتضى الأمر رفع الدعوى الجنائية عليهما معاً فيكون التمييز بين الحالتين مبرراً دستورياً وبالتالي لا تكون النصوص الطعينة مارقة عن مبدأ المساواة القانونية.
وحيث إن خلاصة ما تقدم جميعه أن النصوص الطعينة لا تمس قواعد المحاكمة المنصفة ولا تخل بحق الدفاع ولا تنتقص من حق التقاضي، ولا تنتهك مبدأ المساواة أمام القانون، كما أنها لا تخالف أي أحكام أخرى في الدستور، مما يتعين معه القضاء برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات