الطعن رقم 1783 لسنة 32 ق – جلسة 14 /05 /1963
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 14 – صـ 402
جلسة 14 من مايو سنة 1963
برياسة السيد المستشار/ السيد أحمد عفيفي، وبحضور السادة المستشارين: محمود حلمي خاطر، وعبد الحليم البيطاش، ومختار رضوان، ومحمد صبري.
الطعن رقم 1783 لسنة 32 القضائية
وصف التهمة. محكمة الموضوع. إخفاء أشياء متحصلة من جريمة. حكم.
"تسبيبه. تسبيب معيب". اشتراك. دعوى مدنية.
محكمة الموضوع مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها القانونية
وتطبيق حكم القانون عليها تطبيقاً صحيحاً.
استخلاص الحكم أن المقاول الذي قام ببناء العمارة وكذا المطعون ضدهم كانوا على علم
تام بأنها بنيت ببعض المبالغ التي وصلت إلى يد أولهم والمتحصلة من جناية الإدخال في
الذمة. اقتناع المحكمة بقيام الاتفاق بين المطعون ضدها الأولى وزوجها – مرتكب جناية
الإدخال في الذمة – من ناحية وبين المقاول على أن يستولى الأخير منهما على بعض المبالغ
المختلسة لإقامة المبنى باسم الزوجة. على المحكمة أن تجرى أحكام الاشتراك بعد لفت نظر
الدفاع إلى ذلك ومنحه أجلاً للاستعداد على أساس الوصف الجديد. التفات المحكمة عن ذلك
واعتبارها الإخفاء واقعاً على العقار والقضاء بالبراءة ورفض الدعوى المدنية. قصور وخطأ
في القانون.
من المقرر أن محكمة الموضوع مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها
القانونية وأن تطبق عليها حكم القانون تطبيقاً صحيحاً. ولما كان الحكم قد أثبت أن المقاول
الذي قام ببناء العمارة وكذا المطعون ضدهم كانوا على علم تام بأنها بنيت ببعض المبالغ
التي وصلت إلى يد أولهم والمتحصلة من جريمة الإدخال في الذمة، فقد كان على المحكمة
أن تجرى أحكام الاشتراك كما هي معرفة به في القانون على واقعة الدعوى بعد أن اقتنعت
بقيام الاتفاق بين الزوجة – المطعون ضدها الأولى – وزوجها (مرتكب جريمة الإدخال في
الذمة) من ناحية وبين المقاول – الذي لم ترفع عليه الدعوى – من ناحية أخرى على أن يستولى
الأخير منهما على بعض المبالغ المختلسة التي أشار إليها الحكم لإقامة المبنى باسم الزوجة
فتم ذلك عن علم بناء على هذا الاتفاق. وما كان على المحكمة إلا أن تلفت نظر الدفاع
إلى ذلك وأن تمنحه أجلاً للاستعداد على أساس الوصف الجديد – ولما كانت المحكمة لم تفطن
إلى ذلك واعتبرت الإخفاء واقعاً على عقار ورتبت على هذا النظر القضاء بالبراءة ورفض
الدعوى المدنية فإن حكمها يكون مشوباً بالقصور والخطأ في القانون.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة المطعون ضدهم بأنهم في خلال شهر نوفمبر سنة 1948 بدائرة قسم مصر القديمة محافظة القاهرة: المتهمة الأولى – أخفت الأموال الأميرية المبينة بالمحضر وقدرها 15000 ج خمسة عشر ألف جنيه والمختلسة من وزارة التربية والتعليم في قضية الجناية رقم 3118 سنة 1949 السيدة مع علمها بأن تلك الأموال متحصلة من الجريمة سالفة الذكر – والمتهمون الثانية والثالثة والرابع – اشتركوا بطريق الاتفاق والمساعدة مع المتهمة الأولى في ارتكاب جريمتها سالفة الذكر. وطلبت إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم طبقاً للمواد 40/ 2 – 3 و41 و44/ 2 و112 و118 من قانون العقوبات. وقد ادعت وزارة التربية والتعليم بحق مدني مقداره خمسة عشر ألفا من الجنيهات قبل المتهمين بالتضامن. ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضورياً بتاريخ 18 فبراير سنة 1961 ببراءة المتهمين مما أسند إليهم وبرفض الدعوى المدنية الموجهة قبلهم وإلزام الوزارة رافعة الدعوى المدنية بمصروفاتها. فطعنت كل من إدارة قضايا الحكومة بصفتها ممثلة لوزارة التربية والتعليم والنيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن المقدم من النيابة هو الخطأ في تطبيق القانون
ذلك أنه بالرغم من أن الحكم المطعون فيه أثبت أن العمارة اشتريت من الأموال التي اختلسها
أحمد صالح شكري والتي عوقب من أجلها في الجناية رقم 3118 لسنة 1949 السيدة زينب وأن
المتهمين الأربعة المطعون ضدهم – على علم بذلك علماً يقينياً إلا أنه رأى أن أركان
جريمة الإخفاء المنصوص عليها في المادة 44 مكررة من قانون العقوبات غير متوافرة بمقولة
إن الإخفاء لا يقع إلا على منقول وهو قد تناول في واقعة الدعوى عقاراً وما انتهى إليه
الحكم ينطوي على نظر خاطئ في القانون كما أن مبنى الطعن المقدم من المدعية بالحقوق
المدنية هو القصور والتناقض أما القصور فلأن الحكم قضى برفض الدعوى المدنية دون أن
يبين الأسباب التي أقام عليها قضاءه في هذا الخصوص وأما التناقض فلأن الحكم بالرغم
من أنه أثبت أن العمارة بنيت بالنقود المختلسة من الطاعنة وأن المطعون ضدهم قد تداولوا
العمارة وتلاعبوا لإخفاء أمرها فإنه قضى برفض دعوى التعويض في حين أن ما قارفه المطعون
ضدهم يكون شبه جنحة مدنية توجب القضاء للطاعنة بالمبلغ المختلس الذي وصل إلى أيديهم
والذي استغل في بناء العمارة إذ ليس في القانون ما يمنع من القضاء ببراءة المتهم من
الفعل المسند إليه والقضاء في الوقت نفسه للمدعي بالحقوق المدنية بالتعويض المطالب
به.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى في قوله "إن أحمد صالح أحمد شكري الزوج
السابق للمتهمة الأولى – المطعون ضدها الأولى – كان موظفاً بالدرجة السادسة بحسابات
منطقة القاهرة الجنوبية التعليمية التابعة لوزارة التربية والتعليم وارتكب مع آخرين
من الموظفين في الفترة من أكتوبر سنة 1947 إلى يناير سنة 1948. جناية إدخال نقود أميرية
في ذمتهم بلغت 216 ألف جنيه كان نصيبه منها 60 ألف جنيه أودعه لدى زوجته السابقة المتهمة
الأولى بمنزله مع إخبارها بأنه متحصل من الجريمة المتقدم ذكرها ثم أنفق نحو نصفه في
شئونه الخاصة من نفقات شخصية وشراء أثاثات منزلية ومنقولات لتجهيز إحدى بناته عند زواجها
وشراء سيارة باسم زوجته وما إلى ذلك. وبقى له مبلغ 30 ألف جنيه سلم مبلغ خمسة عشر ألف
جنيه لزوجته وخصص نحو 14 ألف جنيه باتفاقه معها لشراء قطعة أرض فضاء وإقامة عمارة سكنية
عليها باسمها – ونفذ ذلك في نوفمبر سنة 1948 حيث اشترى باسمها وبحضورها من عبد اللطيف
أباظة بمقتضى عقد ابتدائي موقع عليه منها كمشترية قطعة أرض بجنينه السادات دفع له من
ثمنها مبلغ 400 جنيه وحلت المشترية المتهمة الأولى محل ذلك البائع في دفع الأقساط الباقية
على تلك الأرض للشركة الانجليزية البائعة المالكة الأصلية للأرض بعد أن قام البائع
بإخطار تلك الشركة بهذا الحلول بمقتضى كتاب صادر منه لها فقبلته وقيدت التنازل في دفاترها
من اسم ذلك البائع إلى اسم المشترية المذكورة – وفى نوفمبر سنة 1948 اتفق زوج المتهمة
الأولى شفوياً مع قريب له مقاول مباني يدعى توفيق الطحاوى على إقامة عمارة على قطعة
الأرض هذه وكان ذلك بحضور زوجته المتهمة الأولى وسلمه لهذا الغرض مبلغ 14 ألف جنيه.
بعد أن حصل على إيصال منه باستلامه هذا المبلغ باسم المتهمة الأولى وسلمها ذلك الإيصال
للاحتفاظ به – ثم اتفق مع المهندس أحمد رفعت بحضور ذلك المقاول فوضع له رسماً لتلك
العمارة من خمسة أدوار يتألف كل منها من شقتين وبدأ المقاول المذكورة مباشرة عمله في
إقامتها فوضع أساساتها فعلاً. وفى 17/ 1/ 1949 اكتشف المسئولون الجرائم المنسوبة إلى
زوج المتهمة الأولى فسارع هذا الزوج قبل القبض عليه إلى عبد اللطيف أباظة البائع للأرض
حيث غير اسم زوجته المتهمة الأولى إلى اسم أختها زينب المتهمة الثانية – المطعون ضدها
الثانية. بعد أن أوهمه بحصول خطأ مادي في الاسم باعتبار أن جوهرة وزينب هما اسمان لشخص
واحد هو زوجته المشترية فانخدع عبد اللطيف أباظة بهذا التعليل وفعل هذا التغيير وأخطر
كتابة الشركة البلجيكية الانجليزية طالباً منها تصحيح الاسم في دفاترها. وفى 17/ 2/
1949 ألقى القبض على أحمد صالح شكري عقب اكتشاف جرائمه وأجرت النيابة العامة معه وشركائه
تحقيقاً قيد برقم 3118 لسنة 1951 جنايات السيدة زينب كشف خلاله وجود 3000 ج باسم المتهمة
الأولى وأولادها في دفتر توفير البريد. كما اكتشفت وجود سيارة باسمها أيضاً وقال أحمد
صالح شكري إن هذه الأشياء لم تصادر في الحكم الصادر عليه لعدم اعترافه بها وظل التحقيق
دائراً معه عقب القبض عليه في التاريخ المتقدم ذكره. وفى 1/ 5/ 1949 طلبت المتهمة الثانية
التي حلت محل الأولى صورياً في ملكية الأرض من مدير التنظيم بالقاهرة استخراج رخصة
لبناء العمارة على تلك الأرض. وفى 2/ 5/ 1949 تم تسجيل عقد بيع هذه الأرض من عبد اللطيف
أباظة إلى المتهمة الثانية بالشهر العقاري برقم 4149 – وفى 19/ 11/ 1949 وقع تهريب
بطريق البيع لتلك الأرض من اسم المتهمة الثانية إلى اسم المتهمة الثالثة بتدبير المتهمة
الأولى – وفى 10/ 3/ 1950 تحرر بتدبير المتهمة الأولى أيضاً عقد مقاولة صوري بين المتهمة
الثالثة والمقاول توفيق الطحاوى على بناء العمارة جاء فيه أنه تقاضى من نفقاتها مبلغ
8 آلاف جنيه واتفق على دفع الباقي أثناء سير العمل في بنائها حتى تمامه. وفى خلال سنة
1950 وعلى الرغم من أن التحقيق كان ما يزال دائراً مع أحمد صالح شكري استمر المقاول
توفيق الطحاوى في إقامة العمارة لحساب المتهمة الأولى في الواقع وباسم زينب المتهمة
الثانية صاحبة التسجيل في الظاهر وكانت قد استخرجت رخصة البناء باسمها ولم تكن العمارة
انتقلت من اسمها حتى ذلك الوقت إلى اسم المتهمة الثالثة نفيسة. ولما تم بناء العمارة
قيدت في البلدية برقم 11 شارع عبادة بن الصامت بمصر القديمة وربطت عليها العوايد باسم
زوج المتهمة الثانية زينب المدعو محمود عثمان ونظراً لخشية المتهمة الأولى من زينب
وزوجها أن يتشبثا بملكية العمارة عمدت إلى ختم المتهمة الثانية فحصلت عليه بطريقتها
الخاصة ودبرت تحرير عقد البيع صورياً من اسم زينب إلى اسم المتهمة الثالثة بتواطؤ مع
هذه الأخيرة التي لا تملك ثمن العمارة وسجلتها باسمها حوالي التاريخ الذي تم فيه بناؤها
على الرغم من أن عوائدها في البلدي كانت ما تزال باسم زوج المتهمة الثانية. وبعد تمام
بناء العمارة تسلمتها المتهمة الأولى من المقاول دون أن تعنى بالتثبت من مطابقة البناء
للمواصفات المشترطة في عقد المقاولة وبعد أن ردت إلى المقاول الإيصال الذي كان في حوزتها
والدال على أن ذلك المقاول تسلم ثمن العمارة كاملاً باسمها من يد زوجها السابق قبل
القبض عليه وقامت بتأجير العمارة باسم المتهمة الثالثة نفيسة ثم باسم المتهم الرابع
وكانت تستولى على إيرادها لنفسها – وعند ما تم بناء العمارة في سنة 1950 وكانت ما تزال
باسم المتهمة الثانية زينب حتى وقت تمام بناءها حيث لم تكن سجلت بعد باسم المتهمة الثالثة
بدليل أن عوائدها ربطت بعد بنائها باسم محمود عثمان زوج المتهمة المذكورة ثم نقلت العوائد
إلى اسم نفيسة في سنة 1951 خشية من زينب وزوجها – ولما اقترب تاريخ 2/ 4/ 1951 المحدد
لنظر التهم المنسوبة إلى زوج المتهمة الأولى خشيت هذه أن يقضى الحكم الصادر على زوجها
السابق بمصادرة العمارة فاتجهت إلى تدبير جديد هو الاتفاق مع المتهم الرابع والتواطؤ
معه على كتابة العمارة كلها ظاهرياً باسمه بطريق البيع الصوري له من نفيسة زوجة خاله
ووقع اختيارها عليه لكونه على جانب من الثراء كفيل بأن يبعد عنه الشبهات فقبل تستره
عليها مقابل أن يكون مالكاً لريع العمارة في حقيقة الواقع وأن تكون ملكية ثلاثة أرباعها
الباقية للمتهمة الأولى في الحقيقة كذلك فتم التعاقد الصوري بينه وبين نفيسة المتهمة
الثالثة في أوائل سنة 1951 باعتباره قد اشترى منها الأرض الفضاء على الرغم من أنه في
ذلك التاريخ كانت العمارة مقامة فعلاً إذ تم بناؤها وربطت عوائدها باسم زوج المتهمة
الثانية في سنة 1950 ونقلت العوائد إلى اسم المتهمة الثالثة في أوائل سنة 1951 فعلاً
وقامت الثالثة بتأجيرها وعلى الرغم من هذه الصورية كلها فإن المتهم الرابع سجل الملكية
باسمه في 26/ 3/ 1951 بالعقد المسجل برقم 2960 سنة 1951 خشية المصادرة قبل حلول تاريخ
جلسة المحاكمة في 2/ 4/ 1951 التي قضت فيها محكمة الجنايات على أحمد صالح شكري بالأشغال
الشاقة لمدة عشر سنوات ورد المبالغ المختلسة – وبتاريخ 5/ 4/ 1951 حصلت المتهمة الأولى
من المتهم الرابع في سبيل التحوط لحقوقها وملكيتها لثلاثة أرباع العمارة وتنفيذاً للعقد
الشفوي بينهما وبين المتهم الرابع على ورقة ضد لم تشأ أن تجعلها باسمها حتى لا يفتضح
أمرها عند اللزوم بل رأت أن تجعلها باسم أخرى مقيمة في الزقازيق هي حفيدة النحال ضرة
المتهمة الثالثة وفى الوقت نفسه زوج لخال المتهم الرابع وذلك دون علم حفيدة المذكورة
فكان أن حرر منها المتهم الرابع في التاريخ سالف الذكر ورقة ضد أقر فيها بملكيته لربع
العمارة وملكية حفيده النحال لثلاثة أرباعها وتسلمت المتهمة المذكورة منه ورقة الضد
هذه واحتفظت بها حتى تمكن صالح أحمد شكري من الحصول عليها بعد خروجه من سجنه وإمعاناً
في التمويه رأت المتهمة الأولى بالاتفاق مع المتهمة الثالثة والمتهم الرابع أن يخلعا
على العمارة سمة بريئة فعمدوا إلى تقديم طلب سلفه باسم المتهمة الثالثة إلى البنك العقاري
بمبلغ 4000 جنيه لكي تكون المتهمة الثالثة مدينة بهذه السلفة وبباقي حق شركة الأراضي
في ثمن الأرض المقامة عليها ثم تسلمت المتهمة الأولى العمارة وأخذت تستولي على إيرادها
باسم الثالثة في مبدأ الأمر ثم أخيراً باسم المتهم الرابع – وفى خلال مدة سجن أحمد
صالح شكري تنفيذاً للحكم الصادر عليه أرسلت له المتهمة الأولى خطاباً أخطرته فيه بما
دبرته من التصرف في القماش. وهو لفظ اصطلاحي يراد به العمارة وذلك بطريق تهريبها وأشارت
له في الخطاب إلى السبب بعبارة مفادها كثرة الطامعين في العمارة ووعدته منها بالعمل
على راحته وتمكينه من عيشة لائقة بعد خروجه من السجن وبعد ذلك وفى خلال مدة سجنه أيضاً
رأت المتهمة الأولى أن تؤمن حقوقها في العمارة خشية من المتهم الرابع فعولت على الزواج
منه ومهدت لذلك بأن رفعت دعوى طلاق على زوجها المسجون وطلقت منه بالحكم رقم 24 لسنة
1953 – أحوال شخصية السيدة زينب في 23/ 4/ 1953 وتزوجت من المتهم الرابع في 25/ 4/
1953. وفى 1/ 2/ 1956 خرج أحمد صالح شكري من السجن بالعفو عن باقي المدة وعند خروجه
تنكرت له زوجته السابقة المتهمة الأولى وأنكرت حقوقه وأهملت أولاده وذهب يبحث أمر النقود
التي آلت إليه من جرائمه فاستبان له أنها صرفت المبالغ الكبيرة التي أودعها لديها وعبثت
بالعمارة على النحو الذي تقدم. وبعد أن أورد الحكم المطعون فيه الوقائع على النحو سالف
الذكر وساق الأدلة على ثبوتها من أقوال الشهود وتقارير قسم أبحاث التزييف والاطلاع
على العقود والأوراق التي أشار إليها وشريط التسجيل…. إلخ. وعرض لدفاع المتهمين وفنده
بما يكذبه قال …." وبما أنه يؤخذ من أقوال أحمد صالح شكري أنه آل منه إلى زوجته السابقة
المتهمة الأولى مبلغان الأول وقدره نحو خمسة عشر ألفا من الجنيهات تركه لها في دولابها
عند القبض عليه على ذمة القضية 3118 لسنة 1950 جنايات السيدة زينب والباقي وقدره أربعة
عشر ألفا من الجنيهات هو الذي بنيت به العمارة. ولما كانت النيابة لم تبين أي المبلغين
هو المقصود بجلاء في وصف التهمة فأن المحكمة ترى أن المبلغ المقول بتركه لدى المتهمة
الأولى نقد لا دليل عليه إلا أقواله وهى لا تكفى في خصوص المبلغ المذكور. وأما بخصوص
تكاليف بناء العمارة فتعالجه فيما يلي" وبما أنه في خصوص تكاليف العمارة فإن المحكمة
لا تعول من الوجهة الواقعية (لا القانونية) على دفاع المتهمين ولا على أقوال توفيق
الطحاوى اطمئنانا منها لسلامة الأدلة التي عرضتها المحكمة فيما سلف. والتي يبين منها
أن المتهمة الأولى اشترت باسمها الأرض الفضاء التي بنيت عليها العمارة من عبد اللطيف
أباظة بثمن دفع له بعضه الشاهد الأول من الأموال التي أدخلها في ذمته من نقود وزارة
التربية والتعليم. كما أن إقامة بناء العمارة من تلك الأموال نفسها مع علمها بالجريمة
التي تحصلت منها النقود كما يبين من تلك الأدلة أيضا أن المتهمة الأولى عندما افتضحت
جرائم زوجها السابق أخذت تضع التدابير للإفلات بالعمارة وأرضها من قبضة القانون فطوع
لها دهاؤها واقتنانها أن تتخلى ظاهرياً عن الأرض والعمارة إبعادا لنفسها عن الشبهات
مع بقائها مالكة وحائزة حقيقة لها. ولما تدره من ثمرات بأن ذهبت تعقد البيوع الصورية
الواحد تلو الآخر من عبد اللطيف أباظه إلى المتهمة الثانية ومن هذه إلى الثالثة ومنها
إلى المتهم الرابع. وبأن للمحكمة أنها قصدت بذلك غرضاً آخر هو عدم تمكين أي من هؤلاء
المشترين المتعاقبين من التشبث بالادعاء بملكية العمارة ملكية حقيقية لما شعرت به من
أن المطامع تحوم حول العمارة الحرام…." وبما أنه اتضح للمحكمة أن المتهمين فوق تواطؤهم
معاً على إخفاء الأرض والعمارة موضوع التهمة عمدوا إلى ألوان من المداورات والمراوغات
أعدوها لستر تصرفاتهم وتبريرها ولكن لم يلبث تلفيقهم أن انكشف في التحقيق فالمتهمة
الأولى لم تكتف بإنكار توقيعها على عقد البيع الصادر إليها من عبد اللطيف أباظة وكذا
إنكار كتابتها الخطاب المرسل منها إلى زوجها في السجن وسائر الأدلة الأخرى بل حاولت
إنكار واقعة ساطعة الثبوت متعلقة بموضوع الاختلاس. وهى وجود ثلاثة آلاف من الجنيهات
في دفتر للبريد باسمها وباسم أولادها بأن أجابت المحقق بأنها لا تتذكر إيداعها لهذا
المبلغ كذلك لا تقيم المحكمة وزناً لأقوال المقاول توفيق الطحاوى الذي يبدو للمحكمة
أنه لعب دوراً هاماً في هذه الصفقة إذ قرر هذا المقاول أنه تعاقد مع المتهمة الثالثة
على البناء لها في 10/ 3/ 1950 بينما رخصة البناء صادرة قبل ذلك باسم المتهمة الثانية
زينب ووضع الأساس في 19/ 1/ 1950 بينما فاتورة مياه البلدية عن هذه العمارة صادرة باسمها
أيضاً قبل ذلك… كما يكذبه ما ثبت فيما سبق من أن البناء بدأت إقامته بمعرفته في عهد
المتهمة الثانية زينب بدليل رخصة البناء الصادرة لها قبل ذلك في 9/ 6/ 1949 وبدليل
ربط العوائد عليها باسم زوجها…. وكل ذلك دال على أن المقاول توفيق الطحاوى كان كما
قرر أحمد صالح شكري على علم تام بحقيقة الأمر كله وبأن المبالغ التي بنيت منهما العمارة
إنما دفعها أحمد صالح شكري على الوجه الوارد في أقوال الأخير" وخلص الحكم بعد ذلك إلى
القول وبما أنه لما سبق جميعه يبين من الوجهة الواقعية المحضة أن العمارة موضوع التحقيق
إنما بنيت ببعض المبالغ التي وصلت إلى يد أحمد صالح أحمد شكري وأدخلها في ذمته نتيجة
لارتكابه وآخرين الجناية رقم 3118 سنة 1950 السيدة زينب وأن المتهمين الأربعة الحاليين
(المطعون ضدهم) على علم بذلك طبقاً لما تقدم" – ثم عرض الحكم بعد ذلك للتطبيق القانوني
فقال ما نصه "وبما أن جريمة الإخفاء الحالية في علاقتها بالعمارة موضوع الدعوى فأما
أن يقع الإخفاء فيها على نفس المبلغ الذي بنيت به العمارة ولم يثبت من التحقيق أن هذا
المبلغ قد وصل إلى يد أي من المتهمين الأربعة الحاليين إذ يستفاد من أقوال أحمد صالح
شكري أنه سلم هذا المبلغ إلى توفيق الطحاوى (المقاول) وإما أن يقع الإخفاء على ذات
العمارة" ولا تقوم الجريمة في هذا الإخفاء على الجانب الواقعي المادي وحده وهو الحيازة
بل يلزم أن تقوم إلى جانبها الأركان الأخرى لجريمة الإخفاء للأشياء المتحصلة من جناية
أو جنحة وهو ما تعالجه المحكمة فيما يلي". وبما أن من الأركان القانونية لجريمة الإخفاء
المنصوص عليها في المادة 44/ 1 – 2 مكرر من قانون العقوبات. أولاً – أن يقع الإخفاء
على منقول. وبعد أن بينت المحكمة سندها في ذلك انتهت إلى القول ومن ثم لا يعتبر هذا
الركن قائماً في حق المتهمين الأولى والرابع على الرغم من أنهما الحائزان فعلاً للعمارة
على نحو ما سبق بيانه في أدلة الثبوت. ثانياً – حيازة الشخص على المتحصل مع الجريمة
وهى بسط يد الشخص على الشيء وهذا الركن غير متوافر في حق المتهمتين الثانية والثالثة
إذا اقتصر موقفهما على تحرير عقد البيع باسمهما دون أن يحوزا العمارة فعلاً. كما لم
يتحقق في حقهما فعل الاشتراك في الإخفاء لانتفاء الإخفاء نفسه بانتفاء الركن المادي
الذي سبقت الإشارة إليه – وبما أنه لما تقدم تكون التهمة بالنسبة للمتهمين الأولى والرابع
قد فقدت ركنها القانوني كما لم تتوافر أركانها بالنسبة للمتهمتين الثانية والرابعة
– وعلى الرغم من أن المحكمة على يقين من أن العمارة بنيت بالنقود التي وصلت إلى يد
أحمد صالح شكري من جريمة الإدخال في الذمة التي عوقب عليها في الجناية رقم 3118 سنة
1950 جنايات السيدة – وعلى الرغم من علم المتهمين الأربعة بذلك علماً يقينياً تاماً
أخذاً من أدلة الإثبات وبدليل التلاعب المتوالي بينهم في خصوص العمارة على النحور الذي
سبق بيانه وهى حالة تنوه المحكمة بأن المتهمين افلتوا منها نتيجة لقصور التشريع وعدم
تأثيم الفعل المنسوب إليهم على الرغم من وقوع هذا الفعل منهم. وعلى الشارع وحده أن
يعالج الحالة بما يناسبها من تشريع يتناول أمثالها في المستقبل إذ لم يكن في وسع المحكمة
أن تتناولها بالعقاب أو المصادرة، ولذا يتعين براءة المتهمين من التهم المنسوبة إليهم
وبالتالي رفض الدعوى المدنية وإلزام المدعي بالحق المدني بالمصروفات. لما كان ذلك –
وكانت المحكمة قد أوردت في ختام حكمها أن مبلغ الأربعة عشر ألفا من الجنيهات الذي بنيت
به العمارة لم يثبت من التحقيق أنه وصل إلى يد أحد من المتهمين الأربعة فخالفت في ذلك
ما أوردته في بيانها لواقعة الدعوى كما حصلتها من التحقيقات وكما سطرتها في صدر الحكم
وساقت العديد من الأدلة على ثبوتها من أن أحمد صالح شكري ارتكب مع آخرين جناية إدخال
نقود أميرية في ذمتهم بلغت 216 ألف جنيه كان نصيبه منها مبلغ ستين ألفا من الجنيهات
أودعه لدى زوجته المتهمة الأولى – بمنزله مع إخبارها بأنه من متحصلات هذه الجريمة ثم
أنفق نحو نصفه في شئونه الخاصة وفى شراء سيارة باسم زوجته المتهمة الأولى وما إلى ذلك
وبقى له مبلغ ثلاثين ألفا من الجنيهات سلم منه مبلغ خمسة عشر ألفا من الجنيهات لزوجته
وخصص نحو 14 ألف جنيه باتفاقه معها لشراء أرض فضاء وبناء عمارة سكنية عليها باسمها.
مما مؤداه أن كل المبلغ المتحصل من الجريمة بما فيه تكاليف العمارة كان مودعاً لدى
الزوجة وفى حيازتها المادية – كما ذكرت المحكمة في موضع آخر من حكمها أنه يؤخذ من أقوال
أحمد صالح شكري أنه آل منه إلى زوجته السابقة المتهمة الأولى – المطعون ضدها الأولى
– مبلغان الأول وقدره نحو خمسة عشر ألفا من الجنيهات تركه لها في دولابها عند القبض
عليه والباقي وقدره أربعة عشر ألفا من الجنيهات هو الذي بنيت به العمارة – وهذا الذي
أورده الحكم ينطوي على تناقض ذهب فيه إلى أن المبلغ جميعه كان قد سلمه الزوج إلى المطعون
ضدها الأولى وأودعه لديها بعد أن أخبرها بأنه متحصل من الجريمة ثم انتهى إلى ما يفيد
أن المبلغ لم يكن في حيازتها فشابه بذلك اضطراب يكشف عن أن الفكرة لم تكن مستقرة في
ذهن المحكمة بما يتعذر معه على محكمة النقض مراقبة صحة تطبيق القانون على الواقعة –
لما كان ما تقدم، وكان الحكم قد أثبت أن المقاول توفيق الطحاوى الذي قام ببناء العمارة
لعب دوراً في هذه الصفقة وأنه كان على علم تام بحقيقة الأمر كله وأن العمارة إنما بنيت
ببعض المبالغ التي وصلت إلى يده والمتحصلة من الجريمة وأن المطعون ضدهم الأربعة كانوا
على علم تام بذلك – وكان من المقرر أن محكمة الموضوع مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة
أمامها بجميع كيوفها وأوصافها القانونية وأن تطبق عليها حكم القانون تطبيقاً صحيحاً
فقد كان على المحكمة أن تجرى أحكام الاشتراك كما هي معرفة به في القانون على واقعة
الدعوى بعد أن اقتنعت بقيام الاتفاق بين الزوجة – المطعون ضدها الأولى – وزوجها من
ناحية وبين المقاول – الذي لم ترفع عليه الدعوى – من ناحية أخرى على أن يستولى الأخير
منهما على بعض المبالغ المختلسة التي أشار إليها الحكم لإقامة المبنى باسم الزوجة فتم
ذلك عن علم بناء على هذا الاتفاق. وما كان على المحكمة عندئذ إلا أن تلفت نظر الدفاع
إلى ذلك وأن تمنحه أجلاً للاستعداد على أساس الوصف الجديد – ولما كانت المحكمة لم تفطن
إلى ذلك واعتبرت الإخفاء واقعاً على عقار ورتبت على هذا النظر القضاء بالبراءة ورفض
الدعوى المدنية فإن حكمها يكون مشوباً – فوق ما سبق – بالقصور والخطأ في القانون. ولما
كان الحكم المطعون فيه قد قضى برفض الدعوى المدنية استناداً إلى مجرد الحكم بالبراءة
لعدم توافر ركن من أركان جريمة الإخفاء. وكان الحكم فيما انتهى إليه من ذلك معيباً.
فإنه يتعين تبعاً لذلك نقض الحكم فيما قضى به في الدعوى المدنية أسوة بالدعوى الجنائية
ونظراً لاتصال الواقعة بالمطعون ضدهم من الثانية إلى الأخير فإنه يتعين أن يكون النقض
لجميع المطعون ضدهم.
وحيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه مشوباً بالتناقض والقصور ومخالفة القانون
مما يستوجب مع النقض الإحالة
