الطعن رقم 1054 سنة 20 ق – جلسة 01 /01 /1951
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة الثانية – صـ 439
جلسة أول يناير سنة 1951
القضية رقم 1054 سنة 20 القضائية
برياسة حضرة صاحب السعادة أحمد محمد حسن باشا رئيس المحكمة, وبحضور
حضرات أصحاب العزة: أحمد فهمي إبراهيم بك وكيل المحكمة, وأحمد حسني بك, وحسن إسماعيل
الهضيبي بك, ومحمد أحمد غنيم بك المستشارين.
دفاع. طلب تأجيل لإعلان شاهد أمام محكمة
الجنايات. رفضه بمقولة إن شهادته لن تجدي المتهم لكونها منقوضة بأقوال الشهود الآخرين
الذين لا شبهة في شهادتهم. إخلال بحق الدفاع.
إن قانون تشكيل محاكم الجنايات وإن حرص في المواد من 17 إلى 21 منه على بيان الطريق
التي يسلكها المتهم في إعلان الشهود الذين يرى لنفسه مصلحة في سماعهم أمام المحكمة,
وذلك بأن يطلب إلى قاضي الإحالة الأمر بإعلانهم من قبل النيابة أو يعلنهم هو إذا لم
يأمر قاضي الإحالة بإعلانهم, بحيث إنه إذا لم يسلك ذلك الطريق فإن المحكمة تكون في
حل من إجابة طلبه أو عدم إجابته, إلا أن ما رسمه القانون من ذلك إن هو إلا من قبيل
التنظيم لإجراءات المحاكمة أمام محاكم الجنايات لكي يتيسر لها سرعة الفصل في القضايا
ولكي ينال المجرم جزاءه ويتحقق بذلك الردع المقصود من العقاب أو تتضح براءة البريء
دون بقاء الاتهام معلقاً عليه بغير مبرر, ومع ذلك كله فإن القانون إذ وضع تلك النظم
لم يقصد مطلقاً إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية التي تقدس حق المتهم
في الدفاع والتي من بينها أن المعول عليه فيها بصفة أصلية يجب أن يكون هو التحقيق الشفهي
الذي تجريه المحكمة بنفسها في الجلسة وتسمع فيه الشهود سواء أكانوا لإثبات التهمة أو
نفيها, على أن يكون لها بعدئذ أن تتزود إلى جانب ذلك بكافة ما في الدعوى من عناصر بشرط
أن تكون مطروحة للبحث بالجلسة, فإذا كان القانون قد خول للمحكمة بما لها من الهيمنة
على الإجراءات أن تقدر وجاهة طلب المتهم الذي لم يسلك السبيل المرسوم لإعلان شهوده
فإنما ذلك مفاده أن تقدر ما إذا كان جاداً في طلبه وله مصلحة فيه أو أنه طلب غير جدي
كما قد يستفاد من تنكبه ذلك السبيل, وأنه لو كان قد رأى لنفسه مصلحة في سماع المحكمة
لهم لقام بإعلانهم قبل الجلسة ما دام هو قد أعلن لها في الوقت الذي حدده القانون. وإذن
فإن المحكمة إذا بررت رفض طلب المتهم تأجيل الدعوى بأن شهادة الشاهد الذي طلب سماعه
لن تجديه شيئاً لأنها منقوضة بشهادة الشهود الآخرين الذين لم تبد لها أية شبهة في صحة
شهاداتهم, وأنها لذلك لا تطمئن إلى ما شهد به في التحقيق ولا ترى وجهاً لإجابة طلب
المتهم سماعه – إذا بررت رفضها بذلك فإنها تكون قد تجاوزت في تقديرها لوجاهة طلب المتهم
الحدود المخولة لها إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية بالحكم بكذب الشاهد
على افتراض أنه سيقول ما قاله في التحقيق أو أنها لن تتأثر بسماعها له بغير الأثر الذي
حدث من اطلاعها على أقواله المدونة, ويكون حكمها قد انطوى على إخلال بحق الدفاع.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 12 من فبراير سنة 1949 الموافق 14 من ربيع الثاني سنة 1368 هجرية بناحية كوم شريك من أعمال مركز كوم حمادة مديرية البحيرة: ضرب عمداً أحمد محمود خضير فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي والتي تخلفت عن إحداها عاهة مستديمة يستحيل برؤها هي فقد كبير بقوة إبصار العين اليمنى بحيث أصبحت قوة إبصارها 6/ 60 ولا ينتظر تحسنه, كما نشأ عن إصابة الأنف اعوجاج وانخساف بمظهره الخارجي مما يعتبر تشويهاً. وطلبت إلى قاضي الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمادة 240/ 1 من قانون العقوبات. فقرر بذلك. وقد ادعى أحمد محمود خضير بحق مدني قبل المتهم بمبلغ مائة جنيه وطلب القضاء له قبله بهذا المبلغ. ومحكمة جنايات دمنهور سمعت هذه الدعوى وقضت فيها حضورياً بتاريخ 19 من إبريل سنة 1950 عملاً بمادة الاتهام والمادة 17 من قانون العقوبات بمعاقبة محمد علواني خضير بالحبس مع الشغل لمدة سنة ونصف وبإلزامه بأن يدفع للمدعي المدني أحمد محمود خضير مبلغ أربعين جنيهاً مصرياً على سبيل التعويض والمصاريف المدنية المناسبة و200 قرش مقابل أتعاب المحاماة. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض إلخ.
المحكمة
… وحيث إن الوجه الأول من أوجه الطعن يتحصل في أن الطاعن طلب
إلى المحكمة تأجيل الدعوى لإعلان شاهد نفي فلم تجبه إلى هذا الطلب مع أن القضية كانت
منظورة لأول مرة ومن حق المتهم طلب التأجيل لإعلان شهوده وفضلاً عن هذا فإن المحكمة
قد بررت رفضها لهذا الطلب تبريرًا غير مقبول قانونًا.
وحيث إنه يتبين من الاطلاع على أوراق المحاكمة أن محامي الطاعن تقدم إلى محكمة الجنايات
قبل بدء نظر الدعوى بطلب تأجيلها لاستدعاء شاهد نفي فرفضت المحكمة هذا الطلب وسارت
في سماعها. ثم إن محامي الطاعن في مرافعته بعدئذ أشار إلى ما شهد به ذلك الشاهد في
التحقيق وقال: "لهذه الشكوك كنت ملتمساً إحضار شاهد النفي" والمحكمة إذ قضت بإدانته
قد أشارت في حكمها إلى هذا الطلب بقولها "أما استناد المتهم الأول إلى ذلك الذي شهد
به إبراهيم السيد عامر في التحقيقات فإن هذا لا يجديه شيئاً, لأن شهادة هذا الشاهد
منقوضة بشهادة أولئك الشهود الذين لم تبد للمحكمة أية شبهة في صحة شهادتهم على خلاف
هذا الشاهد الذي تقدم به المتهم وما يوحى به تقديمه من محاولة تخليصه من التهمة المسندة
إليه مما ترى المحكمة معه عدم الاطمئنان إلى صحة هذه الشهادة وأنه من المتعين لذلك
إطراحها, ومن ثم فلم ترَ المحكمة وجهاً لإجابة طلب المتهم سماع أقوال هذا الشاهد".
وحيث إنه وإن كان ما يذهب إليه الطاعن من أن للمتهم الحق في تأجيل نظر الدعوى لسماع
شهوده إذا كانت تنظر لأول مرة غير صحيح, ذلك لأن قانون تشكيل محاكم الجنايات قد حرص
في المواد من 17 إلى 21 على بيان الطريق التي يسلكها المتهم في إعلان الشهود الذين
يرى لنفسه مصلحة في سماعهم أمام المحكمة, وذلك بأن يطلب إلى قاضي الإحالة الأمر بإعلانهم
من قبل النيابة أو يعلنهم هو إذا لم يأمر قاضي الإحالة بإعلانهم, بحيث إنه إذا لم يسلك
ذلك الطريق فإن المحكمة تكون في حل من إجابة طلبه أو عدم إجابته. إلا أن ما رسمه القانون
من ذلك إن هو إلا من قبيل التنظيم لإجراءات المحاكمة أمام محاكم الجنايات لكي يتيسر
لها سرعة الفصل في القضايا ولكي ينال المجرم جزاءه ويتحقق بذلك الردع المقصود من العقاب
أو تتضح براءة البريء دون بقاء الاتهام معلقاً عليه دون مبرر, مع ذلك كله فإن القانون
إذ وضع تلك النظم لم يقصد مطلقاً إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات الجنائية التي
تقدس حق المتهم في الدفاع والتي من بينها أن المعول عليه فيها بصفة أصلية يجب أن يكون
هو التحقيق الشفهي الذي تجريه المحكمة بنفسها في الجلسة وتسمع فيه الشهود سواء أكانوا
لإثبات التهمة أو نفيها, على أن يكون لها بعدئذ أن تتزود إلى جانب ذلك بكافة ما في
الدعوى من عناصر بشرط أن تكون مطروحة للبحث بالجلسة, فإذا كان القانون قد خول للمحكمة
بما لها من الهيمنة على الإجراءات أن تقدر وجاهة طلب المتهم الذي لم يسلك السبيل المرسوم
لإعلان شهوده فإنما ذلك مفاده أن تقدر ما إذا كان جاداً في طلبه وله مصلحة فيه أو أنه
طلب غير جدي كما قد استفاد من تنكبه ذلك السبيل وأنه لو كان قد رأى لنفسه مصلحة في
سماع المحكمة لهم لقام بإعلانهم قبل الجلسة ما دام هو قد أعلن لها في الوقت الذي حدده
القانون.
وحيث إنه متى تقرر هذا فإن المحكمة إذ بررت رفض طلب الطاعن تأجيل الدعوى بأن شهادة
الشاهد الذي طلب سماعه لن تجديه شيئاً – لأنها منقوضة شهادة الشهود الآخرين الذين لم
تبد لها أية شبهة في صحة شهاداتهم, وأنها لذلك لا تطمئن إلى ما شهد به في التحقيق ولا
ترى وجهاً لإجابة طلب المتهم سماعه, إذ بررت المحكمة رفضها بذلك تكون قد تجاوزت في
تقديرها لوجاهة طلب المتهم الحدود المخولة لها إلى الإخلال بالأسس الجوهرية للمحاكمات
الجنائية بالحكم بكذب الشاهد على افتراض أنه سيقول ما قاله في التحقيق أو أنها لن تتأثر
بسماعها له بغير الأثر الذي حدث من اطلاعها على أقواله المدونة, فأما عن الأمر الأول
فلأن الواقع قد يكون غير ما افترضته المحكمة فيقول الشاهد غير ما قاله في التحقيق فينهار
الأساس الذي بنت عليه المحكمة حكمها على شهادته, وأما عن الأمر الثاني فلأن المحكمة
يجب أن تكون مستعدة لتقدير كل ما يجرى أمامها بالجلسة, إذ الحكمة في التحقيق الشفهي
هي أن يكون القاضي رأيه لا من القول المجرد الذي يصدر عن الشاهد ولكن أيضاً من كيفية
أدائه للشهادة وموقفه ومسلكه أمام المحكمة.
وحيث إنه لذلك تكون المحكمة إذ رفضت سماع الشاهد الذي طلبه الطاعن قد عللت ذلك بما
يخالف القانون, ولذا فإنها تكون قد أخلت بحقه في الدفاع مما يعيب حكمها ويوجب نقضه.
